زناة التاريخ، للكاتب رشيد بوجدرة
بقلم الأستاذ توفيق هيشور./

في زمن يُعاد فيه تشكيل الخرائط لا بالجغرافيا ولكن بالسرد، وحيث صارت الكتابة أحد أشكال الاستعمار الناعم، تنهض الحاجة الملحة لفرز الصفوف، لا بين مبدعٍ وآخر، بل بين من يكتب دفاعاً عن ذاكرة الجماعة، ومن يكتب سعياً إلى محوها، تشويهاً أو تشكيكاً.
كتاب رشيد بوجدرة “زناة التاريخ” لا يُقرأ كمقال غاضب، بل كصفعة مدروسة على وجه خيانة ثقافية تتخفّى تحت أقنعة الأدب والحداثة والجرأة. ولئن كانت لغة بوجدرة صادمة حدّ الفظاظة، فلأن ما يقاومه أكثر فجاجة: طابورٌ طويل من الأقلام التي تمارس الزنا الرمزي مع المستعمر، وتُسقط الوطن أرضًا تحت أقدام الترجمة والجوائز.
ليس من قبيل الصدفة أن يكون أبرز من استهدفهم بوجدرة هم أولئك الذين حملوا القلم ليمارسوا به فعلاً مضادًا لتاريخ أمتهم، فعلاً لا يختلف في جوهره عن التزوير العقاري أو التحايل السياسي: تزويرٌ للهويّة على الورق، وخيانة محبوكة في هيئة رواية. كمال داوود، في روايته “ميرسو، تحقيق مضاد”، لم يُنجز عملاً أدبيًا، بل أعدّ بيان اعتذار عن ثورة شعب، ونعيًا ضمنيًا لما تبقى من كرامة حضارية. أعاد داوود الإنسان الجزائري إلى الصورة النمطية التي رسمها كامو: العربي المجهول، البدائي، المقتول دون أن يستحق اسماً أو سيرة. أعاد إنتاج القالب الاستعماري، متذرّعًا بالتفكيك، بينما لم يكن في الحقيقة سوى إعادة صياغة لأكذوبة استعمارية بلغة عصرية.
أما بوعلام صنصال، فقد تجاوز منطق التواطؤ إلى التحالف المكشوف. لم يكتفِ بالطعن في الثورة، بل سوّغ ذلك بمنطق عبثي يُروّج لأسطورة “تحضّر المستعمِر”. كتاباته عن المجاهدين، عن الذاكرة، عن الدين، كلها تسير في خط واحد: تجريد الجزائر من مشروعها، ومن ماضيها، ومن ذاتها. ولعل وقوفه في مهرجانات تل أبيب، وتلقيه الجوائز من مؤسسات صهيونية، ليس سوى تتويج رمزي لمشروعه الروائي المسموم: جعل القارئ الفرنسي يشعر براحة الضمير، وكأن المستعمر كان أرحم من المحرَّرين.
رشيد بوجدرة، في كتابه، لم يقدّم نقدًا أدبيًا، بل فتح محاكمة أخلاقية لطبقة كاملة من “النخب” التي تحوّلت إلى أدوات استعمار ثقافي. وسمهم بـ”زناة التاريخ” لأنه لم يجد في لغتهم إلا خيانةً ناعمةً لوطن دفع مليونًا ونصف مليون شهيد حتى لا يُكتب تاريخه على يد خصومه. هؤلاء لا يختلفون كثيرًا عن “المبشّرين” في العهد الكولونيالي: يأتون في ثياب المثقفين، ويحملون معهم رسائل مُمغنطة بالمفاهيم الغربية، يلقونها في بيئةٍ فقيرة الموارد الرمزية، ثم ينصرفون منتشين بعبارات الإعجاب الفرنسي، تاركين وراءهم شعبًا مرتبكًا، وتاريخًا مُربكًا.
إنّ ما فعله بوجدرة، رغم كل ما قد يُؤخذ عليه، هو إعادة نصب مرآة أمام هذا العبث. في لغته هجاء صاعق، لكنه ضروري. لم يُهادن، لم يُجامل، لم يُخفف النبرة. سمّى كل شيء باسمه: الخيانة خيانة، والتزوير تزوير، والعمالة عمالة، حتى ولو تزيّنت بالأدب ومرّت عبر لجان تحكيم باريسية. لقد كشف أن وراء كل خطاب حداثي مدّعى، هناك غالبًا تمجيد خفيٌ للغالب، وتحقير ضمنيٌ للمغلوب.
في هذا الزمن الرمادي، حيث تختلط النوايا وتتوارى المفاهيم خلف الشعارات، لا بد من استعادة وضوح المعركة: لسنا أمام خلافٍ فكري مشروع، بل أمام حرب على الذاكرة، يخوضها أدباء مأجورون بأقلام رخوة. هؤلاء لا يختلفون في العمق عن جنرالات الحروب النفسية، ولكنهم يعملون بصمت، في رواية، في عمود صحفي، عبر خطاب ينتزع الجزائر من ذاتها، ويُلبسها ثوبًا مصنوعًا في أوروبا، لا يليق بها، ولا يُعبّر عنها.
التاريخ ليس رأيًا، والهوية ليست مادةً للتجريب، ومن أراد أن يكتب عن الجزائر فليقترب من الأرض، من العرق، من التراب، من دماء الشهداء، من وجوه الأمهات، من لهجات الأحياء الشعبية، لا من قاعات التنظير في باريس. أما من اختار غير ذلك، فله كامل الحرية، لكن عليه أن يتحمّل أن يُسمّى بما هو: خائن، مزوّر، زانٍ فكريًّا بثقافة الآخر، وقد باع شرف وطنه في أسواق الأدب المعولم.
“زناة التاريخ” كتاب لا يُهادن، وهو لا يحتاج إلى وسطاء لتفسير غضبه. يكفي أن ننظر حولنا: كم كُتب عن الجزائر من خارجها؟ كم مُنحت جوائز لمن افترى على ثورتها؟ كم احتُفي بمن جعلها مجرد قصاصة مهملة في ملف الحداثة الغربية؟ بوجدرة واجه هذا كله، وأدان الأسماء والأفعال، من دون مواربة.
وإذا كان هذا الموقف يُوصف بالقسوة، فإن ما تتعرّض له الجزائر من طعن رمزي يومي يُوجب علينا أن نكون أكثر من قساة: أن نكون قضاة تاريخيين. من يكتب بضمير المستعمِر ليس منّا. من يرضى أن تكون الجزائر موضوعًا للتشريح الثقافي الغربي، لا شريكًا في الحضارة، لا يمثلنا. ومن لم يحفظ اسم الشهداء في كتاباته، لا يستحق أن يُقرأ اسمه في قائمة الأدباء
