العدد 32/خلف عدسات الفن… حديث مع محمد الأمين مفتاحي
حاوره: عبد الفتاح بلحبيب/




هذه المرة، مجلة “ومضات أمل” هي من تحمل الكاميرا، وتوجّه عدستها نحو فنانٍ احترف سرقة اللحظات الثمينة من الزمن، لا لغايةٍ عابرة، بل لخلق مشاهد تحتفظ بنبض الحياة.
سواء أكان الدافع توثيقًا أو سعيًا للجمال والإبداع، فإن النتيجة دومًا واحدة: صور متقنة، مشحونة بالحسّ، لا تغفل التفاصيل مهما بلغت دقّتها.
ضيفنا فنان متعدّد التجربة، وزّع حضوره بين الإخراج، والتصوير، والتعليم، ونجح في الموازنة بين هذه العوالم بثبات ووعي، ليصوغ مسارًا فنيًا متماسكًا، يحتفي بالصورة كأداة للتعبير، والتشكيل، والتأثير.

– بداية، الأستاذ مفتاحي، هلا تفضلت بتقديم نفسك للقراء؟
محمد الأمين مفتاحي، فنان من مدينة الرمشي بولاية تلمسان –غرب الجزائر-.
حاصل على ماستر في تخصص دراسات الفنون. أعمل في مجالي التصوير الفوتوغرافي والإخراج السينمائي. أتميز بأسلوبي البصري الذي يعكس رؤى جمالية وإنسانية، حيث أوظف عدستي لالتقاط لحظات نابضة بالمعاني. أخرجت عدة أفلام قصيرة تعالج قضايا اجتماعية بأسلوب بسيط وواع.
شاركت في عدد من المهرجانات والملتقيات السينمائية والفنية محليا ووطنيا، كما ساهمت في ورشات وندوات، مؤمنا بأن الفن وسيلة للتأثير والحوار. أواصل مسيرتي بشغف، باحثا عن الحقيقة والجمال من خلال الصورة والفيلم.

– كيف بدأت رحلتك مع السينما والتصوير الفوتوغرافي؟ وأيهما جاء أولا؟
بدأت رحلتي في عالم التصوير الفوتوغرافي منذ سن صغيرة، حيث كنت ألتقط التفاصيل البسيطة التي تحمل معاني خاصة بالنسبة لي. ومع تطور رؤيتي الفنية، شعرت أن الصورة الثابتة لم تعد كافية للتعبير، فانتقلت بطبيعة الحال إلى السينما، حيث وجدت في الإخراج وسيلة أوسع لسرد القصص الإنسانية، جامعا بين شغفي بالصورة ورغبتي في التأثير عبر الصوت والحركة والمشاعر.

– أي من الفنين كان له التأثير الأكبر في تشكيل ذائقتك الفنية؟
كلا الفنين، التصوير الفوتوغرافي والسينما، كان لهما أثر بالغ في تكوين ذاتي الفنية والإنسانية. لكل منهما لغته الخاصة، وأسلوبه في التعبير، وطاقته الكامنة التي تمس الروح وتوقظ الإحساس. وجدت في التصوير سكون اللحظة وصدق التفاصيل، أما في السينما، فوجدت ديناميكية السرد وعمق المشاعر المتدفقة.
أمارس كلا الفنين بشغف عميق وبحب لا يصطنع. لا أقترب من الكاميرا كأداة تقنية فحسب، بل كرفيقة طريق، أعبر من خلالها عما يجول في داخلي، وأترجم بها رؤاي ومشاعري إلى لغة بصرية تلامس القلوب. إن كل تجربة فنية أخوضها، مهما كانت صغيرة، تترك أثرا في نفسي وتغني رحلتي في هذا العالم الجميل والمركب الذي يدعى فنا.

– حدثنا عن أعمالك السينمائية وما حققت من نجاح جماهيري ونقدي.
أنجزت عددا من الأعمال السينمائية المتنوعة، من بينها أفلام قصيرة مثل الكريمينال، القرار، الكنز الأسود، جذور الشجرة، وغيرها من الأعمال التي تسلط الضوء على قضايا اجتماعية وإنسانية. كما قدمت مسلسلا تلفزيونيا بعنوان جاري في داري، الذي لاقى تفاعلا طيبا من الجمهور.
غير أن فيلم القرار كان الأبرز من حيث النجاح الجماهيري والنقدي؛ إذ شارك في عدة مهرجانات وطنية ودولية، ولاقى إشادة كبيرة من النقاد. وقد نال الفيلم اهتماما أكاديميا أيضا، حيث كان محور دراسة تطبيقية ضمن مذكرة لنيل شهادة الماستر في النقد السينماتوغرافي، بعنوان فن المونتاج الرقمي ودوره في صناعة الصورة السينمائية، مما يعكس تأثيره الفني وقدرته على إثارة النقاش السينمائي المتخصص.

– أي أعمالك هو الأقرب إلى قلبك؟ ولماذا؟
رغم إخراجي لعدة أفلام قصيرة ومشاركتي في إنجاز مسلسل تلفزيوني، تبقى تجربة إخراج فيلم القرار هي الأقرب إلى قلبي. ليس لأنه أول أو آخر عمل، بل لأنه يحمل رسالة عميقة ومعنى إنسانيا كبيرا، يتجاوز حدود الحكاية المصورة ليطرح سؤالا جوهريا عن الاختيار والمصير، عن اللحظة الفاصلة التي قد تغير مجرى الحياة.
القرار لم يكن مجرد عمل فني بالنسبة لي، بل تعبيرا صادقا عن رؤيتي للواقع، وعن الإنسان حين يجد نفسه في مفترق طرق. وقد كانت تجربة خاصة، لأنها ولدت من إحساس داخلي صادق، وعبرت عن شيء لطالما شغلني كفنان وكإنسان.

– ماذا عن أجمل صورة التقطتها عدستك؟
من بين العديد من الصور التي التقطتها، تبقى الأقرب إلى وجداني تلك التي التقطتها لعمي حشماوي، رحمه الله. كان رجلا مثقفا كرس حياته للكتب والمعرفة، يبيعها من سيارته القديمة، المتوقفة في أحد أحياء وهران القديمة، وكأنها مكتبة متنقلة تنبض بالحكمة والتواضع.
في تلك الصورة جمعت بين مظاهر البساطة وعمق الثقافة، بين الزمن الذي أكل ملامح السيارة، والروح التي ظلت نابضة في عينيه وهو يقدم الكتب للمارة بكل محبة.
لم تكن مجرد صورة لرجل يبيع الكتب، بل رمزا لمثقف منسي اختار أن يزرع الوعي في زمن الاستهلاك.
رحل عمي حشماوي، تاركا فراغا لا يعوض، لكن صورته تلك ما زالت حاضرة، شاهدة على إنسان حمل في داخله نور الكلمة، ووهب جزءا من حياته لأجل الآخرين. إنها بالنسبة لي ليست مجرد لقطة فوتوغرافية، بل وثيقة وفاء وذاكرة خالدة، أحملها بكل فخر وامتنان.

– بعين المخرج، كيف ترى واقع السينما الجزائرية اليوم؟ وما التحديات التي تواجهها؟
السينما الجزائرية اليوم تقف عند مفترق طرق. هي سينما ذات ذاكرة قوية وتاريخ نضالي غني، لكنها في الوقت نفسه تعاني من تحديات بنيوية وثقافية تجعلها تتقدم ببطء في زمن يتطلب السرعة والمرونة. هناك طاقات شابة، وأفكار جريئة، وكفاءات فنية عالية تنتظر فقط الفرصة، لكنها تصطدم بجدار البيروقراطية، وشح التمويل، وغياب بنية تحتية حقيقية لصناعة سينمائية متكاملة.
يعد أيضا ضعف التكوين والتأطير عائقا أمام تأهيل جيل جديد من السينمائيين، إلى جانب قلة الاستثمار الخاص نتيجة غياب الحوافز والمناخ التشريعي المناسب. وتضاف إلى ذلك الرقابة الفنية التي قد تقيد حرية التعبير وتؤثر على صدق الطرح الإبداعي.
ورغم هذه الصعوبات، تبقى المواهب الجزائرية حاضرة، في انتظار منظومة تدعمها وتمنحها فضاء حقيقيا للتعبير.

– هل هناك مشروع فوتوغرافي قريب من قلبك؟ ولماذا؟
رغم أن كل أعمالي الفوتوغرافية قريبة مني لما تحمله من تجارب ورؤى ومشاعر نابعة من صميمي، تبقى الصورة التي التقطتها مؤخرا لرجل مشرد، جالس وقد ارتسمت على ملامحه أوجاع السنين، وامتزجت في نظرته المعاناة والألم بصمتٍ مُفجع، هي الأقرب إلى قلبي.
كانت لحظة شعرت فيها بأنني لا ألتقط صورة فقط، بل أوثق وجعا إنسانيا عميقا، وأحمل رسالة صامتة إلى العالم. ربما لأنها كانت الأقرب لوقعي، أو لأنها لامست شيئا داخليا لم أستطع التعبير عنه بالكلمات، فكانت العدسة أصدق من الكلام.

– بصفتك أستاذا جامعيا، هل تلمس فجوة بين الدراسة الأكاديمية والعمل الإبداعي؟ وكيف يمكن تجاوزها؟
نعم، هناك فجوة واضحة بين الدراسة الأكاديمية والعمل الإبداعي. الجامعة تركز غالبا على الجانب النظري والتحليلي، بينما يتطلب الإبداع الفني ملامسة الواقع، والتجريب، والتفاعل مع أدوات الميدان.
لتجاوز هذه الفجوة، ينبغي ربط التكوين الجامعي بالتطبيق العملي، من خلال ورشات وشراكات مع الفاعلين الثقافيين، وتحديث المناهج لتواكب تطورات الصناعة الفنية والتقنية. بهذا فقط، يمكن أن تتكامل المعرفة الأكاديمية مع التجربة الإبداعية، ويخرج الطالب بفكر ناقد ومهارة فنية حقيقية.

– كيف تصف بصمتك الفنية في كل من السينما والتصوير؟ وإلى ماذا تصبو؟
بصمتي الفنية تقوم على الصدق والبعد الإنساني، سواء في التصوير الفوتوغرافي أو السينما. أحب توثيق الوجوه المنسية والقصص الصامتة، وأميل إلى الأعمال التي تعبر عن الواقع ببساطة وعمق. أطمح إلى تطوير لغة فنية خاصة بي، وإنتاج أعمال تلامس الإنسان وتترك أثرا صادقا في المتلقي.

– كيف تعبر أعمالك عن هويتك الثقافية أو الشخصية؟
أعمالي تعكس هويتي الثقافية والشخصية بعفوية وصدق، تنطلق من البيئة التي نشأت فيها، ومن الناس البسطاء الذين شكلوا وعيي الفني والإنساني. سواء في الصورة أو الفيلم، تجد في أعمالي ملامح المدينة، لهجة الشارع، صمت المهمشين، وحكايات المجتمع التي أعبر عنها برؤية فنية تشبهني.
أنا لا أصور فقط ما أراه، بل ما أشعر به كجزائري، كفنان، وكإنسان؛ لهذا تأتي أعمالي محملة بروح المكان، وتفاصيل الهوية، دون تصنع أو ابتعاد عن الجذور.

كيف تحب أن يذكرك الناس: كمخرج؟ كمصور؟ أم كأستاذ؟
لا يهمني أن يذكر اسمي بصفة واحدة، بقدر ما أتمنى أن يذكر كشخص حمل شغفا حقيقيا للفن والمعرفة.
سواء كنت مخرجا، أو مصورا، أو أستاذا، ما يجمع كل هذه الأدوار هو الرغبة في التعبير، والتأثير، وترك أثر صادق.
أحب أن يقال عني إنني منحت فكرا بصورة، أو شعورا بفيلم، أو فهما بكلمة… وهذا يكفيني.

– في الختام، كلمة لمن يطالع هذا الحوار.
في الختام، أقول: الفن ليس ترفا، بل حاجة إنسانية عميقة، نلجأ إليه لنفهم أنفسنا، ولنصغي لما لا يقال. سواء كنت فنانا، أو هاويا، أو متلقيا، ابحث دائما عن الصدق فيما تقدمه أو تتلقاه، فهو وحده القادر على أن يربط بيننا، مهما اختلفت الطرق والوسائل.
أشكر كل من منح هذا الحوار من وقته واهتمامه، وأتمنى أن تصل رسالتي… ولو بصورة، أو لحظة صمت في مشهد.