أزمة الإعلام الثّقافي راهنًــا

بين هيمنـةُ التّرفيـه، وسطـوةُ الخوارزميات، وتحديات المستقبـل.

رؤى حوارية بقلم  إبراهيم جــزار.



  في زمـنٍ تتسارعُ فيه التّحوّلات التّقنية، وتتبدّل فيه أنماط التّلقّي والمعرفة، يَطرحُ الإعلامُ الثقافيُ نفسَه كمساحةٍ حيويةٍ للتّفكير الجاد في دور الثّقافة في تشكيلِ الوعـيِ الجماعي وبناء هوية المجتمعات. فبين الأمس واليوم، تغيّرت أدوات هذا النمط من الإعلام المتخصص، وتنوّعت منصّاته، لكن الإشكال الجوهري الذي ظلّ قائماً، هو مدى قدرته على مواصلة تأديةِ وظيفته الأساسية في تعزيز الذائقة الفكرية وتوسيع أفق المتلقّي. فقد عرف الإعلام الثقافي في العقودِ الماضيةِ لحظات إشراق عبر وسائلِ الاعلامِ الجماهيريةِ عن طريق الصّحافة المكتوبة، والبرامج الإذاعية والتّلفزيونية، التّي كانت تتيح للمثقفين مساحةً للتعبيرِ، وللجمهور فسحة للتعلّم والانفتاح. أمّا اليوم، ومع هيمنة المنصّات الرّقمية، أصبحنا أمام تحدياتٍ جديدةٍ تتمثّل في سرعة المحتوى، سطحيّته أحياناً، وهيمنة الثّقافة الاستهلاكية والتسليع الإعلامي.
  في هذا الحـوار مع الدّكتور إيراهيم الخليل بن عزة، الأكاديمي والباحث في إقتصاديات الإعلام، والكاتب في مختلف قضايا الدّراسات الثّقافية، وأحد أبرز المثقفين والمفكرين الشّباب القادمين بقوة في الجزائر والعالم العربي. وسنفتح معه النّقاش حول التّحوّلات التّي طرأت على الإعلام الثّقافي، لنلامس الرّهانات الجديدة التّي تواجهه، بداية من إعادة تعريف الجمهور نفسه، إلى ضرورة دمجِ الأبعـاد الجمالية والفكرية في المحتوى الاعلامي، وصولاً إلى إمكانات استعادة الإعلام الثقافي لمكانته كقوةٍ ناعمـةٍ حقيقية في عالـمٍ متغيـرٍ ومتسارعٍ.

بدايةّ، يشهدُ الإعلامُ الثّقافي تغيرات عديدةٍ في وقتِنا الرّاهـن، فَرَضت عليـه العديـدَ مِـن التّحديات، كباحث أكاديمي وكاتب في قضايا الدّراسات الثّقافية والميديا، ماهو تعليقكم على ذلك؟
صحيح، فالإعلام الثّقافي هو ذلك الجسر الذّي يربـطُ بين المعلومةِ والمعنى، بين الحدثِ وتأويلِه، بين النصّ وسياقِه الإجتماعي والسّياسي.. وليس مجرد نقل أخبـار عن معارض وكتب وفنانين. إنّـه ممارسةٌ إعلاميةٌ نقديةٌ تفتـح أبوابَ النّقاش العقلاني على مصراعيها، حول قضايا الثّقافة، التّاريخ، المعرفة، الهوية، الذّاكرة، اللغة، والهيمنة، والعنف الرّمزي.. وكل ذلك عبر الإشتغال على تحليل الخطابات وتفكيك الصّور النّمطية، ورصد تحوّلات الذّوق العام، وفتح النّوافذ المغلقة والمعتمة لفهم التّحوّلات الكبرى التّي يعيشها المجتمع من خلالِ مرايا الثّقافة.
ولكـن، في زمـنِ التّغير المستمر، والتّسارع الكبير في إيقاعات التّكنولوجيا (Technological acceleration), والتّشابك المعقـد في وسائط الإعلام والإتّصال (Media and communication networks)، يجِـدُ الإعلامُ الثّقافي (Cultural media) نفسه في مواجهةٍ مع تحدياتٍ عديدةٍ تفرضُ عليه إعادةَ ترتيبِ أولوياتِـه، وكذلك إعادة صياغة أدواتِـه، وذلك لتحقيقِ أهدافـه الآنية ورهاناتِه المستقبليةِ. فالمشهد الثّقافي (Cultural scene) لم يعد حكراً على النُّخب (Elites) أولاً، ولا حبيس المنابـرِ الورقيةِ أو البرامج التّلفزيونيةِ الكلاسيكية ثانيًا، بل أصبح يتسرّبُ أو يتفتّت أحيانـاً داخل الفضاءات العمومية الإفتراضية (Virtual public spheres) على مستوى منصات التّواصل الإجتماعي (Social media platforms) ، وتطبيقات البث (Streaming apps)، والفيديوهات القصيرة (Short-form videos) ، والبودكاست (Podcasts) ، والذّكاء الإصطناعي التّفاعلي (Interactive artificial intelligence) ، وغير ذلك من الوسائلِ الرّقميةِ التّفاعلية، مُتجاوزا الجماهيرية (mass appeal) إلى التّفاعلية (interactivity) ، والأحادية إلى التّعددية (pluralism).


تأسيسًا على ما ذكرتم مـن تأصيلٍ، كيف تصفون واقع الإعلام الثّقافي في وقتِنا الرّاهـن؟
   إنّ واقـعَ الإعلام الثّّقافي اليوم، يجعلنا أمام ما يمكن أن نصفه بـ “فجوة الرٌؤية وضعف التّخصص” (Vision gap and lack of specialization)، نقول ذلك بكلّ حـذرٍ مدركين وجود بعض المبادرات الإيجابية التّي يجبُ تثمينها، ولكن بصفـةٍ عامـةٍ لا يزال الإعلام الثّقافي يعاني من التّهميش (Marginalization) على مستوى النّشاط الإعلامي العالمي، سواء من حيث المساحةِ الزّمنية المخصّصة له (Allocated airtime) في وسائل الإعلام الجماهيرية (mass media) ، أو من حيث الكفاءات (Qualified professionals) التّي تتولى إنتاجه خاصة على مستوى وسائل الإعلام الجديد. فالكثير من البرامج والملاحق الثّقافية يتم التّعامل معها كزينةٍ شكليةٍ، لا كرافعـةٍ إستراتيجية (Strategic lever) لبناء وعيٍ جماعيٍ (Collective consciousness) أو حفظ الذّاكرة الهوياتية والحضارية (Identity and civilizational memory). كما أن الخطاب الثّقافي (Cultural discourse) نفسه يعاني في أحيانٍ كثيرةٍ من النّمطية (Stereotyping) ، والنّخبوية (Elitism)، أو الانغلاق على مفاهيم تقليدية لا تراعي تحولات “الذّائقة الثّقافية” (Cultural taste) لدى قطاعاتٍ عريضةٍ من الجماهيرِ في المجتمع، خصوصاً الشّباب من أجيال الألفية وأجيال Y و Z و الآلفا (Millennials, Generation Y, Z and Alpha).

ألا ترون أنّ الثّـورة الإتّصالية الرّاهنة وما أفرزته من تكنولوجيات للإعلام والإتّصال والسٌوشيال ميديا، قد غيرت الكثيـر على مستوى النّشاط الإعلامي عمومًا والاعلام الثّقافي على وجـهِ الخصوص؟
أكيـد، لاريب في ذلك، فبالحديث عن الوسائط الجديدة للإعلام والإتّصال (New media platforms) ، يمكن القول بأنّها أتاحت فرصاً غير مسبوقةٍ لتحريـرِ الثّقافـةِ من أسـرِ البيروقراطيةِ الإعلاميةِ (Media bureaucracy) ، ذلك أنّـه وبفضل المنصات الرّقمية (Digital platforms) مثلاً ووسائل التّواصل الإجتماعي، صار بإمكانِ الثّقافة أن تُنتَـج وتُستهلَـك (Produced and consumed) بشكلٍ أكثـر مرونة (Flexibly)، وأن تصـل إلى جمهـورٍ عابـرٍ للحدود الجغرافية والسّياسية واللغوية. غير أنّ هذه الإمكانيات لا تتحقق بشكلٍ تلقائي، بل تحتاجُ إلى وعـيٍ إعلامـيٍ (Media literacy) قـادرٍ على استثمارِ هذه الوسائط لصناعةِ محتوى ثقافيٍ جذاب (Engaging cultural content) ، وتفاعلي (Interactive) ، ومبني على السّردية البصرية والرّمزية (Visual and symbolic narratives) ، مع احترام المعايير المهنية (Professional standards) والقيم الحضارية والخصوصيات (Civilizational values and cultural specificities) وهذا مهم أيضـًا.
    كذلك، يمكن للإعلامِ الثّقافيِ عبر وسائطِِ النّيوميديا التّفاعلية (Interactive new media)، أن يتحوّل من مجـردِ ناقـلٍ للمعلومةِ إلى فاعلٍ في صياغة النّقـاش العمومي، ووسيط في صناعة الذّوق العام (Mediator of public taste) ، ومُحفّـز على التّفكير النّقدي (Catalyst for critical thinking). ولأجل ذلك، يجب دمج الثّقافـةِ في قلبِ السّياساتِ الإعلاميةِ (Media policies) ، وتكوين جيلٍ جديدٍ من الصّحفيين الثّقافيين (Cultural journalists) المُلمّين بأدوات السّرد الرّقمي (Digital storytelling tools) والقراءة المتقاطعة للخطابات (Cross-discursive analysis).

بالحديثِ عن الفضاءين العموميين الفيزيقي الواقعي، والإفتراضي التّفاعلي، ماهي أهم تحدياتٍ الإعلام الثّقافي اليوم، في ظـل الصّـراع المحتدم بين وسائلهما؟
   لعـلّ من أهم التّحدياتِ التّي تواجه الإعلام الثّقافي راهنًا، ما يُسمَى بـ “هيمنة التّرفيه وسطوة الخوارزميات” (Entertainment dominance and algorithmic supremacy), ذلك أنّ البيئة الرّقمية (Digital environment) غالباً ما يتعرض فيها الخطاب الثّقافي إلى التّهميشٍ أمام المحتوى التّرفيهي سريع الإستهلاك، والذّي تروّج له خوارزميات المنصات العملاقة (Platform algorithms) لِمـا يُـدره من أرباحٍ ماديةٍ واقتصادية. كمـا أنّ سطوةَ الرّأي السّريع وفقاعة التّريندات (Trend bubbles) تُضعف فرص التّرويج لمحتوى يتطلب وقتـاً للتّأملِ والفهم مع قـدرٍ مـن الإنتباه، يُضاف إلى ذلك خطـر التّزييف المعلوماتي (Information falsification) ، والفايك نيوز (Fake news) ، والمحتوى المعاد إنتاجه بدون مرجعيةٍ معرفيةٍ رصينةٍ، منظمةٍ وممنهجة.
  لهذا، دعوني أقول أنّـه قد صـار لزامًـا اليوم إعادةُ الإعتبارِ للإعلامِ الثّقافي (Revalorization of cultural media) ، لا كقطاع هامشي أو ثانوي بل كعنصر جوهري في معركة الوعي والمواطنة والأمن الفكري (Intellectual security) ، لقد أصبح من الضّروريِ فهـم واستيعاب أنّ الثّقافة ليست ترفـاً (luxury) ، بل هي درع المجتمع، ومرآته، ومحرّكه نحو النّماء والرٌقي (Engine of development) في مختلف المجالات الأخرى.


هل هناك إمكانية ليستعيد الإعلام الثّقافي مكانته، في عالم متغير وعصـر متسارع؟
رغـم صعوبة الأمـر، دعونا نكون متفائلين فنجيب بـ (ربما) ، أي يمكن للإعلام الثّقافي (Cultural Media) أن يستعيد مكانته في عالـمٍ متغيّـرٍ ومتسارعٍ كما وصفتَه، مادام في تحولٍ تدريجي وديناميكي من النّخبوية (Elitism) إلى التّفاعلية (Interactivity)، خاصةً مع تبنّى الوسائل الإعلامية والإتّصالية الجديدة (New media) مثل السٌوشيال ميديا والبودكاست والفيديو القصير. نقول ذلك ونحن نشاهد كذلك بعض التّجديد في خطابـه (Discourse) ليعكس صلـة الثّقافة بالحياةِ اليوميةِ والرّهانات المعاصرة، مع الدّفـاع عن الثّقافـة كأداةِ مقاومـةٍ (Resistance tool) ورؤيةٍ مستقبليةٍ (Future-oriented vision). إلى جانبِ دعمِـه بسياسات ثقافية عمومية تعترف بدوره في التّنميةِ الإجتماعيةِ والإقتصاديةِ وتوفـر لـه الموارد اللازمة، ممّـا يُتيح لـه بأن يكون فاعـلًا في إنتـاجِ الوعـيُ (Awareness production) والتّفكير النّقدي (Critical thinking) والتّغيير الإجتماعي (Social change).

س 6 | كلمـةٌختامية، جامِعة ومُلخِصة لفحوى هذا النّقاش الهـام والحساس؟
دعُونـا نقـول في ختـامِ هذا الحوار الهام، حول موقع الإعلام الثّقافي (Cultural Media) في عالـمٍ متغيّرٍ وسريع الإيقاع، بأن المسألة لا تتعلق فقط بإمكانية (العودة) إلى مشهـد إعلامي أكثـر حضـورًا مثلما كان عليه الحال في زمـنِ وسائـلِ الاعـلامِ والإتّصـال الجماهيري، بل بضرورة إعادةِ تأسيسِ هـذا الإعلام على أرشيات جديدةٍ وصلبة، تستجيب لتحوّلات العصـر. فأنـا كنت أؤكـد ولازلت بأن الثّقافة ليست ترفًـا أو آداة للزينة، بـل هي شـرط مهـم مـن شروطِ الفهـم العميقِ لمـا يحدثُ في العالـمِ، ووسيلةُ إستراتيجية لمقاومة التّبسيط، الرّداءة، التّفاهـة، وتفتيت الذّاكرة الجماعية.
إنّ الإعلامَ الثّقافي الذّي ننشده هو إعلام يمتلك الجـرأة (Boldness) على طرح الأسئلة الكبـرى، والانخراط في معاركِ الوعي، وتوسيعِ دوائـر النّقاش العمومي (Public debate). ولتحقيق كلّ ذلك، يجب أن يكـون هـذا الإعلامُ قـادرًا على مخاطبةِ الجمهور المتنـوّع عبر أنماط وأساليب متعددة، مرئية وسمعية وتفاعلية، دون التّفريط في المعنى والعمـق. كمـا يجبُ أن تتكاتف جهـودُ المثقفين (Intellectuals)، الصّحفيين الثّقافيين (Cultural journalists)، وصنّاع السّياسات الثّقافية، لإعادة الإعتبار للثقافـة كقـوةٍ إجتماعية ومعرفية وتحررية. فالإعلامُ الثّقافي حيـن يتخلّى عن الإنغلاق ويتبنّى روح النّقد والحوار، يستطيع أن يكون جسـرًا بين الذّاكـرة والمستقبـل، بين الإبداعِ والتّغيير، وبين الذّات والعالم. ولعل طموح كهذا هو بمثابةِ بوصلةٍ قد نعيـدُ بهـا رسـم موقعٍ منتجٍ للثّقافة في مشهـدٍٍ إعلاميٍ معاصرٍ مايزال مُضطربًـا ومُرتبكًـا.