من العدد32/ذاكرة الغياب
رؤية بقلم المخرج حميد ين عمرة/

لا أدرك سوى خطواتي تمشي في شوارع بلا أحياء، بلا مدن، بل بلا بلاد. شوارع بلا أسماء ولا خرائط. لا أذكر إلا خطوات العودة ليلا من سهرات بلا ملح ولا طعم، خطوات مواعيد فاتتها اللحظة، خطوات قطارات الأنفاق الضائعة، خطوات تعد حتى المئة، خطوات تعود أدراجها كلما وقعت عيني على ظلي النحيف. خطوات أولى نحو المجهول، نحو فراغ بلا أفق، تسير بتأن في تعلم صارم لمعنى الكادر، وتظهر في الليل، مترددة أمام رغباتي الشرسة. ذلك الإحساس بأني لم أعش، بل اكتفيت بشغل المكان والزمان في انتظار اللقاء المثالي.
السينما، بالنسبة إلي، ليست نصا، بل بحث عن الحضور، عن معنى اللحظة. أبحث فيها عن صدى صوت خافت يهمس في قلبي نغمة سرية، وأترقب اللقطة التي تلامس حنين الآخر وتداعبه. لا أريد كاميرا تسرق هوية الآخر وتعريه من اسمه، ولا مشهدا يورطني في تعاطف قد يخل بوجداني. لا أتحمل اللقطات الاستعراضية وتلك التي تبحث عن تصفيق المشاهد أو تجرني إلى نهاية مرضية بحركة كاميرا مدروسة.
السينما التي تطاردني لا تسعى لإبكاء المشاهد، بل تفتح مسارا لدمعة بمثقال قصيدة رثاء. أفضل السينما التي تخاف معي، لا التي تخيفني. السينما التي تفتح شهية التساؤل، وتتعامل معي كموسوعة ملمة بخبايا الحياة. لا أريد سينما تهرب في الزوايا المظلمة وتضمد الجرح الباطني بالحنين. لا أريدها منبرا للأبطال، بل منصة للوجدان. السينما التي ترافقني حافية القدمين، لا التي تدلني على الطريق.
أن تصور هو أن تبرر وجودك، كأنك تقدم هدية لا تعلم إن كنت ستسلمها، أو تحتفظ بتذكرة طيران من الثمانينيات فقط لأنها تشير إلى وجهة ما. ألا تتذكر نفسك يشبه فقدان الذاكرة المزمن، والمقصود، لما في التجربة من ألم غير مصرح به. تصوير الآخرين قد يكون حيلة ماكرة حتى لا نوجه العدسة نحو أنفسنا، ونتظاهر بإيثار كوني. هناك ذكريات تفرض علينا بطبيعة الصدمة أو الفرادة أو البريق، وأخرى نعتني بها كالنبات، ننقل إليه أحلامنا وتزهر عليه أسرارنا. وهناك ذكريات نفر منها، لكنها تطاردنا كلما خطونا بخفة في نزهة بلا مستقبل.
نتذكر خطواتنا خلف كرة بلاستيكية مفرغة في ملعب بلا شباك، أو استعراضاتنا الليلية على حلبة رقص دون أن نقترب ممن نراقبها منذ سنوات. خطوات مجمدة في فصل بلا أحذية، في حي شعبي، تجر أقدامنا الثقيلة كأقدام الفيلة في سبعينيات غابرة. نتذكر أقداما تتململ في درس فلسفة لا يحرك أي سؤال ولا يوقظ نقاط اللاعودة. نرتب كتبنا ورسائلنا وصورنا على أمل ترتيب أفكارنا، أمل نحافظ عليه كما يحافظ الأطفال على حلم صغير: أن نكتب على خط الأفق، ذاك الخيط الذي نحلم أن نمشي عليه.
كان ذلك الأمل الطائر يهب بعد ظهر يوم ما فوق أسطح بيوت حي متشابك الطوب. وكانت نظرتي عذراء، كنظرة طائر يخفق جناحيه للمرة الأولى. السطح كان فضاء علويا، استوديو تصوير في العراء، فوق العيون. صورت فيه الطيور وهي تطير عكس غروب مستعجل يسلم الحي إلى الظلام، في زمن لم تصل فيه الإنارة العمومية لشوارعنا بعد، لكن النور برأسي لم يكن ينطفئ أبدا.
كنت الفتى الوحيد بعينه الثالثة. وعلى حامل الكاميرا، استوليت على ذلك المكان المخصص للنساء، للكسكس المجفف قبل رمضان، للفلفل الأحمر، للمشمش، للثياب، وللنميمة. كنت أهرب من الدروس وأجفف أحلامي كما يجفف الغسيل. شعرت بأني غير مرئي، لا أحد، لكني كنت ألمس أحلامي من خلال العدسة.
حين نصور، نحدق في الآخرين ونطيل النظر في حياتهم. تصويرهم خدمة لهم واحتفاظ بجزء من وجودهم، فعل حنان وحب، إيثار لا ننتبه إليه. الرؤية بثلاث عيون تخلق بعدا وعمقا وثالثة أبعاد. هذا الاندفاع نحو الحكاية الذاتية بدأ بقراءة كتاب “كتابات” لجان رينوار (Jean Renoir – Écrits)، والبساطة التي تناول بها سينماه العظيمة حررت أبجدية فيلموغرافيتي الصغيرة من عقدها.
العنوان وحده يلزم بالكتابة، وهو ما يرتبط بكلمة سكنت رأسي منذ الطفولة: “اقرأ”. أول كلمة في القرآن، كلمة تسكن روحي منذ البدايات.
ومع ذلك، يظل السؤال معلقا: نكتب لمن؟ ولماذا؟ ما الضرورة أو الإلزام أو الرغبة في الكتابة عن الذات؟ الكتابة انعكاس حرير منسوج بمقاطع لا تحصى، كجهاز عروس يحضر كل يوم بانتظار ليلة الزفاف. فهل نكتب لنكرم الحياة التي عشناها؟ أم لنرمم الماضي كما كان يجب أن يكون؟
نحتاج إلى شجاعة خارقة لجذب انتباه جمهور تشكل وعيه على التبديل السريع للقنوات، وصارت عيونهم تتحسس من الأفعال ولا تتجاوز كلمة واحدة. وقبل أن أضيف كتابا آخر إلى مكتبات تئن من الوحدة، يجب أن أتمهل وأفحص هذا الاندفاع الذي يحك ذاكرتي، لأحكي زمنا عالقا بين الماضي والحاضر، وأقوم نسيج مستقبل معلق في نظرات أطفالي وفي عيني تلك المرأة التي ورثت جسدا أنهكه حزن متراكم منذ ستين سنة.
علينا أن نعصر أدمغة شاشات اللعب والأجهزة المسطحة، ونقطر ما تبقى من رحيق الحب الراكد في القلوب. أن نبطئ النار لتغلي عليها ألف حكاية وحكاية. علي أن أتدرع بالزينة، وأتحلى بمواكب الفراعنة، وأطلى بألوان قوس قزح لأبلغ قصر أولئك الذين لم يعودوا يميزون بين طعم بطة بالبرتقال ومصاصة بنكهة البرتقال.
كانت قاعات السينما تملك تلك القدرة النادرة على احتواء كل شرائح المجتمع. بعضها كان يحتوي على شرفات وأوركسترا، وكانت أسعار العلو أغلى من أسعار الأسفل. ونحن، كنا من شريحة الأسفل، فلم نكن نأخذ تذاكر الأعلى لأنها باهظة. امتلاكك لمقعد في الأوركسترا كان يجبرك على رفع الرأس. وكان رفع الرأس يحمل نوعا من الكبرياء. تحولت الشاشة في أعيننا إلى منبر للخطابة. وكنا نواجه الشخصيات بالند، لم نكن نتعامل معهم كمعجبين.
في السبعينيات، كانت المساجد تعد صفين فقط في بعض الصلوات، ولم تكن هناك كثافة، ولم يكن المتدينون يمثلون كل طبقات الحي. أما السينما، فكانت تذيب الفوارق بيننا في عتمة القاعة.
في حينا، كان هناك سينما “عمي قدور”. كنت أجلس في الكراسي القابلة للطي وسط القاعة، بهاجس أن أكون تماما في خط وسط الشاشة. في عمر العاشرة، لا نريد رأسا ضخما يعترض مجال رؤيتنا. كان ذلك يضمن لي رؤية كاملة دون عوائق. لم أشرح يوما هذا الاختيار لأصدقائي، خشية أن أنبههم للأمر وأجد نفسي وسط منافسة. كانوا يرونني مهووسا، بينما كنت فقط لا أريد أن أفوت شيئا من الصورة.
عندما عدت إلى الجزائر بعد غياب دام خمس عشرة سنة، وجدت مسجدا جديدا ينافس المسجد القديم. أما السينما، فقد تحولت إلى حمام جماعي، وكأن سكان الحي كانوا بحاجة فجائية للاستحمام من ماضيهم. لا أعلم ما الذي حل بشاشة تلك القاعة؟ كانت تحمل آلاف الوجوه، آلاف المطاردات، طلقات نارية، أغان هندية، وصفعات فكاهية، وآلاف الأحلام. فصل الشاشة عن كراسيها كان لا بد أن يكون ألما حقيقيا.
كنت أقول، بتفاخر، إني أكثر حساسية من شريط الفيلم. هذه الأوراق التي أدون فيها هواجس المشاهد العادي هي أوراق شجر ميتة لم تتوقف عن التفتح، مهما كانت الفصول. تزرع في ذاكرتي ألحانا خصبة، وتجعل صمامات قلبي ترتجف كلما سلكت تلك المسارات التي تؤدي إلى وجهها المعلق كوميض برق على صخرة ليلة نائية.
اختراع جهاز التحكم عن بعد، هذا الشيء الفحولي المخصص للذكور، أصبح مع الزمن مزودا بشاشة، وأطلق عليه اسم “الهاتف الجوال”، للاستغناء عن الوسطاء وعدم المرور عبر هوائي ذاك المكعب المسمى تلفزيون. اليوم، أصبح هذا الجهاز فحلا مفكرا: نشتري، نحجز، ونلتقط صورا لأنفسنا به. إنه أسلوب جديد في كتابة سيرة ذاتية زائلة.
في أفلامي، لا يجري الناس مكالمات هاتفية. الهاتف اختصار درامي ضعيف. شاشات الهواتف، بكثرة ما تصر على رؤية ما يحدث في العالم، تفقدنا البصر. طب العيون سيكون مهنة المستقبل. لقد توقفنا عن رؤية العالم، وأصبحنا نفضل مشاهدته عبر ثقب مفتاح مثبت في مواجهة الأفق.
لم تعد تربطني أي علاقة برفاق الأحلام الأولى. عندما غادرت الجزائر سنة 1988، مباشرة بعد الخامس من أكتوبر، لم أعد إليها إلا في 2006. حين تعيش في “لا غلاسيير”، لا تحلم إلا بشيء واحد: مغادرة هذا الحي لتعود إليه بطلا براية نصر. أمي، المجاهدة التي خاطرت بحياتها من أجل الجزائر، كانت أول من دفعني للرحيل.
حي “لا غلاسيير” كان في الأصل مصنعا قديما للثلج، ترك بصمته في المكان. في شهر يناير، كان البرد ينخر العظام. الحي يجاور ثكنة عسكرية بها برجا مراقبة، وهو ما كان يمنحه نوعا من الطمأنينة. وبسبب مروري اليومي أمامها طوال سنوات، فكرت أحيانا أن أصبح عسكريا وأصنع أفلاما للجيش.
كل الطرق تؤدي إلى الشاشة، والشاشة التي في رأسي ما زالت ممتدة إلى اليوم. في “لا غلاسيير” كانت هناك أربع مخابز، ولكل واحدة زبائنها. بائعا حليب، إسكافي، حلاق، وبقالتان. مدرستان ابتدائيتان متقابلتان: واحدة من زمن الاستعمار، والأخرى حديثة من عهد بومدين. عمي الفضيل، الذي كان معلما في مدرسة خارج الحي، فرضني على الإدارة، وجعلني أقفز مستويين دفعة واحدة.
أمي كانت تدرسني في البيت يوميا. كنت أقرأ وأكتب باللغتين منذ سن الرابعة. في عامي الدراسي الأول، اكتشفت سينما المدرسة. ثمن التذكرة كان 40 سنتيما، مبلغ رمزي كنت أساوم أمي عليه مرة كل شهر. في أول عرض، جلست تماما أمام جهاز العرض 16 ملم، كان على يساري. أتذكر عدسته التي كانت تمرر شعاعا من الضوء يرسم على الشاشة وجوها بالأبيض والأسود.
كان الهزل يحدث صدمة داخل عالمنا الجاد. مشاهد رمي التورتات بالكريمة كانت تغضبني بدل أن تضحكني. الحلويات لم تكن في متناول الجميع، بل كانت ترفا نذوقه فقط حين يأتي ضيف عزيز من بعيد، أو في حفلات الختان، الأعراس، أو النجاح النادر في البكالوريا. ماكس ليندر، تشارلي شابلن، باستر كيتون، هارولد لويد، ماك سينيت… أصبحوا وجوها مألوفة.
كانت أفلام ذلك الزمن تصور أحيانا بـ16 أو 18 صورة في الثانية، مما يحدث تسارعا في الحركة عوض التصوير بسرعة 24 صورة في الثانية، ما كان يشعرنا أن حياتنا تسير ببطء شديد مقارنة بسرعة حركتهم. لم أفهم حينها من هم هؤلاء، ولا ما هو هذا الأسلوب، لكنني لاحقا رتبت الأسماء، وفككت الأسلوب، ودرست آليات مرور الشريط.
كان شريط السينما بالنسبة لي شيئا مقدسا. كنت أريد امتلاكه مهما كلف الأمر. كنت أريد لمسه بيدي، أن يكون لي. وذات يوم، أوهمني صديق من الحي أن في مكب النفايات قد نجد بكرات أفلام. كنا في السابعة من عمرنا تقريبا. ذهبت معه مشيا، كمن يستكشف عالما جديدا، ووجدت نفسي وسط كومة من القذارة والعفن، وانطلقت في “حمى الفيلم”. قضينا الصباح كله بين الفضلات، نتلمس ونفتش دون أن نفقد الأمل في أن نجد علبة فيلم واحدة. لكن العودة دون غنيمة كانت موجعة.
المكان الذي كان مقرا للنفايات صار مدينة، وشيد به ملعب نيلسون مانديلا، وصار رمزا للمقاومة في مدينة براقي الجزائرية.
كنت أحب الكوميديا الصامتة، هذه المهزلة العبثية، لكن ما إن يلتقط المرء روحها حتى يبدأ بتوقعها ويتوقف عن الوقوع في فخها، لأن صيغها لم تعد فعالة. سيطر الوسترن سريعا على مخيلتي، وصدى حوافر الخيول انطبع في أذني بإيقاعه الخاص. كان هذا الصوت مرادفا لكل اندفاعات الحرية والاكتشاف التي شعرت بها في حيي. كان لدي حصان في أذني الداخلية يهمس لي بحركاته القوية والأنيقة والسريعة.
ومع أنني لم أكن مخدوعا يوما بالتلاعب الذي يروج له هذا النوع من السينما، والذي يهدف إلى اختلاق شرعية تاريخية على حساب سكان القارة الأصليين، فقد أسرني بعنفوانه.
عمي الذي سجلني في المدرسة الابتدائية، لم يكن متزوجا بعد، وكان يراقبني عن كثب. كنت أشعر بالفخر الذي يحمله في عينيه نحوي، خاصة عندما أكون موضوع نقاش بينه وبين معلمي. كان الطفل الذي يتمنى إنجابه. جعلني أحب الأدب، وكان يعطيني كتبا من منهاج المرحلة الثانوية وأنا لا أزال في المرحلة الابتدائية. كان يعثر لي على كتب عن السينما. كنت أعرف الأساسيات حول هذا الاختراع، وعن مختلف التيارات السينمائية: الفرنسية، الأمريكية، الروسية. كنت أطرح أسئلة عن السينما الجزائرية، لكن لم أجد لها أثرا في تلك المراجع.
واليوم، في سنة 2025، خصني الناقد اللبناني الكبير محمد رضا بثلاث صفحات في قاموسه عن السينمائيين الصادر في السعودية بعنوان صانعو السينما، ويحتوي على 500 فيلم و1600 مخرج. بعد أكثر من خمسين عاما، الحلم بدأ يتجسد ويكتمل.
لم تكن سينما الحي تعتبر مكانا محترما. وكأطفال، كنا نخاف الدخول إلى ذلك الكهف المجهول. في أحد أيام العيد، قررنا خوض تجربة القاعة المظلمة للمرة الأولى. دخلنا جماعة من الرؤوس الصغيرة الفضولية، ومددنا إلى “عمي قدور” حفنة من القطع النقدية لم يجد وقتا لعدها. ثقلها أوحى له بأن قيمتها تساوي دخولنا، فسمح لنا بالدخول دون تذاكر. كانت جلسة غير رسمية، كي لا يدفع ضرائب عليها.
وجدنا أنفسنا جالسين كعصابة عطشى للصور. وبدون مقدمة، ظهرت على الشاشة مشاهد من فيلم عباءات وسيوف لبضع دقائق، ثم فجأة تحول العرض إلى فيلم عصابات، ثم كرتون، ثم وثائقي عن الماء الصالح للشرب. اكتشفنا متعة “الزابينغ” قبل أن يخترع بعقود. استمر هذا التقطيع العشوائي بين الأنواع السينمائية لساعتين دون بداية أو نهاية أو أي ترابط. لم نلحق بالدخول في قصة حتى تنتزع منا لنلقى في أخرى. بعد القطع الثالث، أدركنا أننا داخل أحجية لا تنتهي.
لاحقا، أدركت أن تلك اللحظة كانت المفتاح في تشكيل أسلوبي السردي. لقد جمع “عمي قدور” قصاصات أفلام ليصنع منها عرضا خاصا بالعيد، وكان قد توقع أننا سندفع بهذه الطريقة. لقد صنع سينما على طريقة غودار أو تيرينس ماليك، ولكن من غير أن يدري.
عند خروجنا من القاعة، كان من شاهد الفيلم يحكي لمن لم يشاهده. وهنا يبدأ فن “الترقيع”. اخترعنا قصة تركب اللحظات المختلفة لذلك المونتاج، وكذبنا بشكل مقنع لدرجة أننا صدقنا ما رويناه. كنا نتجنب كشف خدعة “عمي قدور” حتى لا نعترف أننا انخدعنا، ولكيلا نصبح عرضة للسخرية.
في عام 1981، أنجزت أول فيلم بعنوان “من أجل حياة أفضل”، مدته 55 دقيقة. كان فيلما روائيا واقعيا يبرز الحي الذي نشأت فيه. الشخصيات الأربع التي شكلت نواة الفيلم لم تكن سوى ذريعة لعرض السينما، لابتكار صورة، وخلق رؤية من الداخل. دخلنا في منافسة غير معلنة مع سينما “عمي قدور”. أصبح لدينا صورنا الخاصة، بعيدا عن سلطة الصورة الرسمية أو تلك القادمة من الخارج. كانت خصوصية هذا العمل أنه صور من داخل الحي، كان الحي يرى نفسه بنفسه، ومن دون نظرة خارجية. بلا مرآة غريبة ولا خطاب سلطوي.
أثار هذا الفيلم تحفظ المتفرجين لدرجة أن البعض اتهمني بأن شخصا آخر لامعا هو من أنجزه، لأن الإحساس بالكادر والمونتاج لم يكن يتماشى مع ما يتوقع من شاب في السابعة عشرة لا تعكس ملامحه “مواصفات المهنة”.
كتبت الراحلة موني براح في العدد 50 من مجلة “الشاشتان” سنة 1982: “الأفلام الثلاثة لحميد بن عمارة تثير القلق والانزعاج لأنها تصور ما تتفادى السينما الرسمية إظهاره أو لا تجيد تصويره”.
جاء بعدها فيلم “من حياة الهواة” كتحد صريح للمشككين، وكتبرير للفيلم الأول. أعدت توظيف لقطات ساقطة من العمل السابق، وأعدت توظيفها لتصوير صعوبات الإنتاج، في إعادة تدوير حقيقية. بهذا المعنى، حاول هذا الفيلم التعبير عن الرحلة نحو السينما، وكشف المخاوف تجاه الجمهور والتوتر الذي يسبق كل عرض.
لا أريد من السينما أن تخدعني، ولا أن تخادع الجمهور. أنفر من الحيل والمؤثرات الصوتية والبصرية الحديثة، فهي كمن يكتب أدبا بالذكاء الاصطناعي. السينما التي تسكن ذاكرتي حادة الشفرة، صادقة مع الوجوه، ولا تمدح الأنا طمعا في صدقة أو كيس ذهب من أمير بترول.
حين درسنا المعري في المدرسة، لم أكن أدرك أنني سأستند يوما إلى بيته: “السيف أصدق إنباء من الكتب… في حده الحد بين الجد واللعب”.
الفاصل هنا هو حدة العين التي تبصر وتفصل بين الأصل ونسخته. الأدب غذى ذوقي ونمى حبي للتفاصيل، لأن الأدب في اعتقادي حين يتحول إلى سينما يكون سيناريو مشبعا بالمفردات، أما الأدب الذي لا تستطيع الكاميرا إعادة نسخه فهو خاثر لغويا ومرصوص المفاهيم.
حين عرض “كتاب الصورة” لغودار في مهرجان “كان”، أدركت أنه أعاد كان يصنع سينما “عمي قدور”، لا أكثر ولا أقل. كنا نخرج من العرض ونروي ما لم نره. نكذب لنقنع الآخرين، ونقنع أنفسنا أيضا. أصبح هذا الكذب صدقة فكرية رحيمة، وشكلا من أشكال إعادة ترتيب الذاكرة. كما كان النسيان يفرض علينا إضافة بعض اللمسات في كل مرة نعيد فيها سرد مجريات الفيلم.
في سنة 2012، أنجزت فيلم “شيء من حياة، شيء من أحلام”. لم أدرك حينها أنني أعدت إنتاج مبدأ “عمي قدور” السردي، ظننت أنني استخلصته من دراستي للتاريخ والسينما مع الأستاذ مارك فيرو، في المدرسة العليا للعلوم الإنسانية، فرع التاريخ والسينما.
لقد اخترعت “لا غلاسيار” السينما بلا سيناريو، والمونتاج “العشوائي”.
في عام 2019، كتبت مقالا بعنوان “الشاشة لا تكذب” عن مفهوم سينما المؤلف. وبعد ست سنوات، ما زالت تلك الشاشة تتوسع، وتفرض على الذاكرة حجا يبدو أنه سيتحول إلى مناسك أدبية سأحتفظ بها مدى الحياة.
الشاشة التي انطلقت منها من حي شعبي رافقتني إلى موسكو، طوكيو، أديس أبابا، الإكوادور، الأردن، وكل مكان حلت به أفلامي أو عدستي.
السينما ليست فنا وصناعة فقط، بل صلة رحم بين الذاكرة والأنا.
“عمي قدور” كان فكاهيا من غير أن يدري. لم يكن يحتاج إلى طرطشات الكريمة ولا إلى أنف البهلوان. كان يسخر منا مثلما سخر منا غودار، ولكنها كانت سخرية بناءة، تشكل الشخصية، توقظ الوعي بالذات، وتفتح شهية شرسة للتصوير وبناء إمبراطورية من الأحلام.
