من العدد 32/نحو تفكيك الوعي الزائف- تأملات في انهيار الأخلاق الغربية والحاجة إلى عقل عربي متجدد
تأملات في الفلسفة والوعي المعاصر
بقلم الأستاذ سمير محمد/

في قلب التحولات الجيوسياسية والثقافية التي يشهدها القرن الواحد والعشرون، يبرز سؤال فلسفي جوهري: هل ما نعيشه اليوم هو مجرد أزمة قيم، أم انهيار شامل للأسس التي قام عليها “الوعي الغربي الحديث”؟
لقد أنجبت أوروبا مشروع التنوير بوصفه تمردا على الكنيسة والسلطة اللاهوتية، وكان هدفه نقل الإنسان من الظلام إلى النور، من الخرافة إلى العقل، من الإيمان الأعمى إلى المعرفة النقدية. لكن، أين انتهى هذا المشروع؟
الواقع أن ما بدأ كحركة تحررية انتهى إلى صنمية جديدة: صنمية الفرد، والسوق، والتقنية، والجسد. تحرر الإنسان من سلطة الإكليروس ليقع في استعباد الاستهلاك. تحرر من المقدس ليغرق في العدم. وسقطت الفلسفة من علياء المعنى إلى مرايا النسبية وما بعد الحداثة.
أعلن فلاسفة الحداثة أن الإنسان هو مركز الكون، فتم إقصاء كل مرجعية عليا للمعنى، لتبدأ رحلة التيه الوجودي، وتتفكك المعايير الأخلاقية شيئا فشيئا.
هيغل شيد بنية عقلانية مثالية سرعان ما تحولت إلى أدوات للتبرير السياسي، ونيتشه بشر بإرادة القوة كبديل للرحمة، ففقدت الفلسفة بوصلتها الأخلاقية، وتحول مشروع التنوير إلى مسار مادي بحت.
وما نشهده اليوم في الغرب ليس تطورا، بل نهاية دورة حضارية أخلاقية: تفكك الأسرة، صراع الهويات، تسليع كل شيء، اختفاء الحقيقة لصالح السرديات… كلها مؤشرات على فشل الوعي الغربي في الحفاظ على التوازن بين العقل والروح.
وفي هذا السياق، يطرح السؤال: ماذا عنا نحن؟ هل نملك نموذجا بديلا؟
ما زال الفكر العربي مترددا، حائرا بين عقلانية ابن رشد، وذوق ابن عربي، ونقد الغزالي، وسياسة الفارابي.
هل تجاوزنا هؤلاء؟ أم لم نبلغهم أصلا؟
لقد خسرنا المعركة حين ظننا أن التقدم هو تقليد الآخر، لا اكتشاف ذواتنا.
الفكر العربي اليوم لا يحتاج إلى اجترار الماضي، بل إلى تجديد أدواته؛ لا بنسخ فكر الأنوار الغربي، بل بإبداع مسار معرفي مستقل، متحرر من التبعية، ومبني على فكر نقدي حر، ينبع من الذات ويخاطب العصر.
فهل نمتلك اليوم الجرأة لنفكك هذا الوعي الزائف الذي يصور التخلف على أنه قدر، والحرية على أنها تهديد؟
هل نملك شجاعة ابن رشد حين واجه سيف السلطان وسوط الفقيه؟
هل نملك حنكة الغزالي في محاورته للباطنية؟
أو حلم الفارابي حين رسم مدينة فاضلة فوق أنقاض مدن الظلم؟
هل نملك روح ابن عربي حين خاطب العالم كله من مقام الإنسان الكامل؟
وهل نملك عقلانية الجابري وهو يعيد ترتيب العقل العربي في زمن التبعية؟
أم أن التاريخ قد فقد عجلاته… وبقي ساكنا، يدور في مكانه، ينتظر من يدفعه من جديد؟
