الكوميديا والاحتيال على الفن
بقلم علاء محمد– مصر/

من يتابع حركة الفن السينمائي والمسرحي خلال السنوات الأخيرة، سوف يرى بكل وضوح الأثر الفاقع الذي تركته السينما في أيامنا هذه، وهيمنة الكوميديا والهزل على الرسالة الفنية أو القضية المحورية. بل، في أحيان كثيرة، لا توجد من الأساس قضية أو رسالة أدبية للمشاهد.
بالتزامن مع هذه الحقيقة، يتبلور لدينا سؤال غاية في الجدل: لماذا لجأ المنتجون وأصحاب القرارات الفنية في مصر إلى الإسراف في الكوميديا، بل وإعطائها الحق -أقصد الكوميديا- في الهيمنة على جميع جوانب السيناريو قاطبة؟
ولما استشعرت خطورة هذا الإجراء، وأبعاد القضية، وأن ثمة أوجها كثيرة ومتعددة لهذا السؤال ومبررات مماثلة، قررت الخوض في ضمار القضية وبواعثها، وتجسد أمامي أكثر من سبب وتفسير، وكلهم قابلون للمناقشة والجدل.
– السبب الأول: تفشي أيديولوجية الحداثة، والطفرة التكنولوجية العملاقة، وأثرها في تشكيل وعي الأفراد إلى حد يشبه تكيف عصافير جزر الجالاباغوس، كما لاحظها “داروين”، واختلاف مناقيرها من جزيرة لأخرى حسب نوع الطعام المتوفر في كل جزيرة.
هذا أيضا ما فعلته التكنولوجيا في الأجيال الحالية؛ لقد جعلتهم أكثر عرضة للملل، وأقل قدرة على تناول مشكلات المجتمع في صورة درامية، لأن كل شيء غدا سهلا وخاضعا أكثر من اللازم، ومروجا للكسل والخمول.
أصبح لكل شيء “ريموت كنترول” يتحكم به عن بعد، ولذلك فليس من السهل الإنصات إلى ساعة ونصف أو ثلاث ساعات دون شيء من الإثارة أو الهزل.
– السبب الثاني: نظرة المنتجين إلى الفن على أنه تجارة وسلعة أكثر من كونه تطورا فنيا، وأن الأرباح العائدة من المسرحيات والأفلام الكوميدية وفيرة وأكثر من غيرها من الألوان الفنية الأخرى. وهي، في الحقيقة، نظرة متدنية جدا، وغير عادلة.
ثمة أيضا علاقة وطيدة بين هذا السبب والسبب السابق، وتتبين العلاقة في توجه المنتجين إلى استعمال هذه السلعة، والإقبال الشديد من المشاهد إلى هذا التصنيف بالتحديد.
– السبب الثالث: ميل الأفراد إلى الابتعاد قدر الإمكان عن بؤرة الصراعات الاقتصادية والسياسية، والهروب من الواقع المؤلم. فكلما تدهورت الأحوال المعيشية، ازدادت الحاجة إلى وسائل ترفيه تقصيه عن الصراعات، ولو للحظات قليلة.
قد ترجع كل هذه الأسباب، منفردة أو متشابكة، إلى نقطة تلاق واحدة، هي: تسخير الكوميديا في الاحتيال على الفن.
قد تكون ثمة أسباب أخرى من وجهة نظر البعض، وذلك مؤكد جدا. وسيظل السؤال يطرح نفسه في كل مرة: لماذا هيمن اللون الكوميدي بالتحديد؟
