اقرأ مع مكتبة الأمير
في “نزهة” مع محمد حسن مرين
بقلم الأستاذ كمال لعرابي/

بين يديكَ مجموعةٌ قصصيَّةٌ تحملُ في طيَّاتِها نبضَ الحياةِ في زواياها الصامتةِ. وتمنحُكَ فرصةَ التسلُّلِ إلى عوالمَ خفيَّةٍ، ربما مررتَ بها دون أن تلاحظَها، أو شعرتَ بها يومًا دون أن تجدَ لها اسمًا.
هذه القصصُ القصيرةُ التي تقدمها دار الأمير للنشر والتوزيع والترجمة للكاتب الجزائري محمد حسن مرين، ليست مجرَّدَ حكاياتٍ تُروى، بل هي نوافذُ مشرَعةٌ على الروحِ الإنسانيَّةِ، ومرايا تعكسُ حالاتٍ إنسانيَّةً عميقةً في قالبٍ فنيٍّ مكثَّفٍ. فالقصَّةُ القصيرةُ، بطبيعتِها، تُشبِهُ اللقطةَ الضوئيَّةَ التي تلتقطُ لحظةً واحدةً، لكنَّها تحملُ في عمقِها عالمًا بأسرِهِ.
في هذه المجموعةِ، ستجدُ رجلاً يجلسُ تحت جدارٍ قديمٍ حتى يصيرَ جزءًا من ذاكرةِ المكانِ، في قصَّةٍ تستكشفُ معنى الانتماءِ والثباتِ في عالمٍ متغيِّرٍ. وجنيًّا يُفتَنُ بعالمِ البشرِ فيحلمُ بالعبورِ إلى الضفَّةِ الأخرى، في سردٍ يمزجُ بين الواقعِ والخيالِ ليطرحَ أسئلةً عن الهُويَّةِ والرغبةِ في التحوُّلِ. ومريضًا بالكلامِ يبوحُ بكلِّ ما يجولُ في خاطرِهِ فيدفعُ ثمنَ صدقِهِ، في استكشافٍ لطبيعةِ الصدقِ والكذبِ في العلاقاتِ الإنسانيَّةِ. وفتاتينِ تتأمَّلانِ صورتيهما في مرآةِ الجمالِ والدهشةِ، في تأمُّلٍ رقيقٍ حول الذاتِ والآخرِ.
كلُّ قصَّةٍ في هذه المجموعةِ تُشكِّلُ كونًا مصغَّرًا، تحملُ في ثناياها ملامحَ من الاغترابِ والبحثِ عن الذاتِ، والحنينِ إلى التغييرِ، وأصداءَ الأسئلةِ التي تراودُ كلَّ إنسانٍ في لحظاتِ التأمُّلِ والصمتِ. إنَّها قصصٌ تُولَدُ من رحمِ التفاصيلِ الصغيرةِ. لكنَّها تتمدَّدُ لتلامسَ القضايا الكبرى التي تشغلُ الإنسانَ في كلِّ زمانٍ.
اللغةُ في هذه القصصِ ليست مجرَّدَ وسيلةٍ للسردِ، بل هي شريكٌ في صناعةِ الدهشةِ والجمالِ. إنَّها لغةٌ شاعريَّةٌ مكثَّفةٌ، تحملُكَ من صورةٍ إلى أخرى، وتغريكَ بالتوقُّفِ عند التفاصيلِ الصغيرةِ التي تصنعُ المعنى الكبيرَ. فكلُّ كلمةٍ مختارةٌ بعنايةٍ. وكلُّ صورةٍ مرسومةٌ بدقَّةٍ، لتخدمَ الهدفَ الأسمى للقصَّةِ القصيرةِ: الوصولُ إلى جوهرِ التجربةِ الإنسانيَّةِ في أقلِّ الكلماتِ وأعمقِها أثرًا.
هذه القصصُ تنتمي إلى تقليدٍ أدبيٍّ عريقٍ، تقليدِ القصَّةِ القصيرةِ التي تُشبِهُ قطرةَ الماءِ الصافيةِ – صغيرةٌ في الحجمِ، لكنَّها تعكسُ الكونَ كلَّهُ في صفائِها. إنَّها تدعوكَ إلى التأمُّلِ والتفكُّرِ، وتمنحُكَ فرصةً للتوقُّفِ عن صخبِ الحياةِ اليوميَّةِ، والإصغاءِ إلى همساتِ الروحِ الخفيَّةِ.
هي نصوص تدعوك إلى أن تقرأَها بقلبِكَ قبل عقلِكَ، وأن تمنحَ شخصيَّاتِها فرصةً لأن تهمسَ لكَ بما لم تبُحْ به لأحدٍ. نصوص تحتاج إلى أن تتَمهَّل في القراءةِ، وأن تترك للصمتِ بين السطورِ أن يتحدَّثَ إليكَ، فربما تجدُ نفسَكَ في ظلِّ رجلِ الحائطِ، أو في نظرةِ الجنيِّ العاشقِ، أو في ارتباكِ مَن لا يستطيعُ كتمانَ صراحتِهِ، أو حتى في دهشةِ الفتاتينِ أمام المرآةِ.
هذه القصصُ كُتِبَتْ لتكونَ رفيقاً لكَ في رحلةِ التأمُّلِ، ولتذكِّرَكَ أنَّ في كلِّ هامشٍ من الحياةِ حكايةً تستحقُّ أن تُروى، وأنَّ في كلِّ لحظةٍ عابرةٍ معنىً يستحقُّ أن يُكتَشَفَ. إنَّها دعوةٌ للبحثِ عن الجمالِ في التفاصيلِ، والعمقِ في البساطةِ، والحكمةِ في الصمتِ.
فلتكن رحلتُكَ مع هذه القصصِ رحلةَ اكتشافٍ واستمتاعٍ، ولتجد في كلِّ قصَّةٍ بابًا جديداً يُفتَحُ أمامكَ إلى عوالمَ لم تكن تعرفُها من قبلُ.
