الحب بين المنح والمنع
بقلم نورالدين المسلمي /

يُردّد بعض الآباء في مجالسهم عبارة دارجة: “هذا فتى أفسده الدلال”. وقد لا تكون هذه الجملة مجرد رأي عابر، بل تجد لها صدى واسعًا في كتب التربية؛ حيث تُفرد فصول مطوّلة تحذر من مخاطر الإفراط في التدليل، وتنبه إلى نتائجه الوخيمة على شخصية النشء وسلوكه.
لكن العجيب أن ما نحذّر منه في مجال تربية الأطفال، نمارسه بلا وعي في مجالات أخرى من حياتنا، فنجد ذات الخلل في العلاقات الزوجية، والمهنية، وحتى التعليمية!
ففي مؤلفات إعداد الأزواج، تظهر فصول كاملة تعالج مشكلات الحب حين يتحوّل إلى تملّك. زوج يظنّ أن المحبة أن يسيطر على شريكة حياته، فيقص أجنحتها، ويحبسها باسم الغيرة والحرص. وزوجة تغار على زوجها حد الخنق، حتى تُكدّر عليه ساعاته القليلة خارج دائرة المسؤوليات. وحين يتغافل الطرفان عن التوازن بين الحب والحرية، ينقلب الودّ عبئًا، وتتحوّل العلاقة إلى قيد لا رابطة.
وإذا قررنا أن نغضّ الطرف عن العلاقات الشخصية، ونتجه إلى الحياة المهنية، نجد الطبيب المحب لمريضه يبالغ في العناية، حتى يُفقد المريض مسؤوليته الذاتية عن متابعة حالته، فيوكل أمره للطبيب دون وعي أو مشاركة. ونجد المدرّس يجهد نفسه في تبسيط كل شيء، حتى الواجبات التي ينبغي أن يتعلم منها الطالب، فيُضيّع بذلك فرصة الاعتماد على النفس. والأستاذ الجامعي، من شدة شفقته، يُسهّل على طلابه الأسئلة، فيحول بينهم وبين الاجتهاد الحقيقي.
كل هذه المشاهد المختلفة، على تنوعها، تعود إلى جذر واحد: سوء فهم الحب.
فالحب ليس بمقدار ما تعطي، وإنما بوعي ما تمنع.
الحب ليس أن تُغدق دون حساب، بل أن تمنع حين يكون المنع رحمة، والتوجيه رشدًا. أن تمنع ابنك من دلال مفسد، وأن تمنع ابنتك من صحبة سوء، وأن تعي أن دعمك لزوجتك لا يعني منعها من العمل. وأن تفهمي أن لزوجك حرية شخصية لا تُمس، ما دام الإخلاص قائمًا. الحب أن تمنع طلابك مما يشتهون إذا كان في ذلك مصلحتهم الحقيقية.
إنه التوازن بين العاطفة والعقل.
وذلك هو الفرق الجوهري بين الحب والكرم؛ الكرم يعطي دون حساب، أمّا الحب الحقيقي فيُدرك متى يكون المنع هو أعظم أشكال العطاء.
