نظرة تحليليّة في المدرسة المكانيّة
بقلم علاء محمد/



ظل المفهوم التقليدي لسمات البطل الروائي معدّ على هيئة قوالب جاهزة او سريعة التحضير، يتناولها الأديب في عمله الفنّي جيل من بعد جيل، حتى طغى هذا اللون على كافة الاعمال المبتكرة في عصرها، وغدت النظرية مطروحة على مدار سنوات طويلة وحتّى هذه الساعة. لكن عندما ينبثق الأديب من مأزق العادة، ويقتنع أن ليس من الضرورة أن ينتمي بطل روايته إلى عالم البشر أو الكائنات الخرافية، يكون بذلك قد ابتدع شيئًا مبتكرًا.
يعتبر الكاتب دانيال ديفو أول من طوّر هذا المفهوم، لكن ليس بصورة متكاملة صريحة. وتعتبر روايته “روبنسون كروزو” التي صدرت في مطلع القرن الثامن عشر خير شاهد على اهتمامهِ بالنظرية المكانيّة، حيث دارت احداث الرواية حول الجزيرة المهجورة التي لجأ إليها روبنسون، الشخصية المحورية في الرواية، بعد أن نجا من الغرق. لكن دانيال ديفو لم يجعل الأولوية للمكان، والدليل على ذلك أن العمل يحمل اسم روبنسون كروزو، بطل الرواية. ومن ناحية اخرى، كانت طريقة السرد تجري على لسان ومنظور روبنسون كروزو نفسه، وقد كانت حركة جريئة من الكاتب مقارنة بعصره. لذلك ليس بإمكاننا الجزم على أن دانيال ديفو قد اسهم في تطور هذا المذهب، لا يمكن اعتبار أن ما قام به تطويرًا للمذهب المكاني.
ولقد آمنت، دون السعي وراء المدارس والمذاهب الأدبية، أن المكان أكثر بقاءًا من الاشخاص. ولم يكن اعتقادي بهذه النظرية من وحي خيال، لكن كنت أكثر جديّة ومرونة في تقييم الاشياء والتفسير بتناقض الفرضيات. اذا افترضنا أن الشخصية البطولية هي التي تظل على قيد الحياة حتى نهاية السرد، فمن الغير مقبول أن يجري العكس. ومع ذلك، تسقط هذه النظرية، إذ إنها لا تتوافق مع البنية الواقعية، والنظرية الوجودية، وهي أن الإنسان غير قابل للخلود، ومعرَّض للفناء. أما المكان، فهو ابدي او شبه ابدي، وفي كلتا الحالتين، ستظل فكرة المكان هي الاطول عمرا وبقاءًا من الأشخاص. ولقد عبّرت عن المفهوم المكاني قدر المستطاع في روايتي: “عزبة الدراويش”. وقد كانت العزبة هي بطل الحكاية ومبعثها.
يعتبر نجيب محفوظ هو الرائد والاب الروحي لهذه المدرسة لِمَا قدمه من اعمال عظيمة حيال هذا الصدد، استطاع أن يطوّر من مفهوم “الحارة” الشعبية، ويضفي عليها سمة الخلود والبقاء الأبدي والصمود امام تعاقب الاجيال، مثلما جسّد ذلك في عظيمته: “أولاد حارتنا”. ثم تفنن الكاتب طارق إمام في روايته: “ماكيت القاهرة” في إبراز دور المدينة فوق الشخصيات، وبقاءها صامدة رغم تداول الأيام والأشخاص والأزمنة والظروف المحيطة، وما طرأ عليها لم يزد عن تغيرات طفيفة في ملامحها وهيكلها العام، لكنها لم تُفنى، وظلت القاهرة هي القاهرة.
من الجانب الآخر، بعيدا عن العنصر البشري والمكاني، نجد أن جانب الزمن اكثر بقاءًا أيضًا، لكن ليس بقدر النظرية المكانيّة. فكل العصور تحمل في طياتها قلب نابض متذبذب، لا يخضع لقواعد الصمود والتصدّي للمؤثرات المحيطة. فثمة عصور طويلة، تمتد لقرون عديدة، وفي نفس الوقت، ثمة فترات انتقالية قصيرة جدًا، قد يضاهيها في ذلك العنصر البشري ذاته. فلا يمكن اعتبار الزمن عنصرًا محوريًا يمكن وضعه على وجه المقارنة بين المذهب المكاني، فهو على الحياد تمامًا، وعلى النقيض أيضًا. ولا يخضع إطلاقًا لمسألة الأبدية.
