بين الوحدة و الحشود

بقلم أحسن تليلاني/


في السنوات الأخيرة، أصبحت أمشي وحيدا دون رفيق، أشرب قهوتي وحيدا، و أسير في الشوارع وحيدا و أنا سعيد بوحدتي دون أن أشعر بحاجتي لوجود مرافق قد يعكر علي صفو وحدتي و انسجامي مع خلوتي، و قد اكتشفت مع الأيام صحة الحكمة التي تقول: ( من الأفضل أن تكون وحيدا من أن تكون مع مرافق سيئ ).
في طفولتي و شبابي كنت أميل كثيرا للمرافقة، و كان لي كثير من الأصدقاء، و كانت شلتي في الجامعة من أكثر الشلل نشاطا و شقاوة، فكنت لا تراني إلا في زمرة من الأصحاب و الأحباب من الحروش و سكيكدة و ميلة و جيجل إلى عين الدفلى و الشلف و وهران، كنا نتحدث كثيرا، و نضحك كثيرا، و نتفرج على المسلسلات المصرية في الأحياء الجامعية، و نقلد الممثلين، و نلعب ( الدومينو و لاكوانش ) و نمارس المسرح و رياضة الكاراتيه، و المشي في الشوارع الساعات الطوال، كانت الدنيا حلوة، و كان الهناء، و كانت حبة ( زلابية أو ميلفاي) واحدة تشتريها من النادي كفيلة بجعلك سعيدا طوال اليوم.
عندما أتذكر اليوم عشرات الرفاق الذين عرفتهم أكاد أبكي حزنا على افتقادهم لأن حبا كبيرا و صداقة عظيمة كانت تجمعنا، حتى أننا كنا نتقاسم طعامنا و غرفنا و نتبادل لباسنا.
اليوم تغيرت الدنيا، و افترق الجميع، و سار كل واحد منا في اتجاه نفسه يلاقي دنياه فردا، و قد فرضت علينا الحياة النسيان و النكران.
أما أنا فقد سرت في دنيا الثقافة و الفنون و في مراتب التعليم و الإعلام و الإدارة، و كلما ارتقيت في المسالك إلا و وجدت الطريق مملوءة بالأشواك و المهالك، و مع الوقت ترسخت في ذهني قناعة أن الوحدة تمنح راحة البال، فلم يعد الأصحاب هم الأصحاب، و لم تعد الرفقة هي الرفقة، بل إن العدو صار يأتيك في ثوب الصديق حتى يغدر بك و يشرب من دمك فلا أحد أشد عداوة للمثقف إلا زميله المثقف نفسه، يشوهه و يقصيه حتى يأخذ مكانه.
إن ما يؤلمني و أنا أتأمل هذه الدنيا التي أصبحنا نعيشها إنما هو حجم الكراهية و الحقد داخل المجتمع، حتى كأنه لا أحد يحب أحدا، فقد طغت الأنانية و تهاوت قيم الأخوة و الصداقة و الجيرة و حسن المعاملة، فما بالك بالحب الذي حثنا عليه الإسلام ( و الله لن يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)
أدرك تماما أن الزمن الذي نعيشه صعب جدا، و أن الوحدة أصبحت قدرا و خيارا في الوقت نفسه، ففيها الأمان، و فيها السلامة و الحرية، و النأي بالنفس عن السفاسف، و فيها متسع للوقت من أجل العمل و الكتابة و التأليف، و على الرغم من مساحة الأمان الذي تحققه الوحدة، إلا أن الإنسان يبقى دائما في حاجة إلى أخيه الإنسان يرافقه و يحاوره و يشعره بوجوده، فأكثر ما يسعد الإنسان هو إدخاله الفرحة في قلب أخيه الإنسان، و تبقى مقولة الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر ( الجحيم هو الآخرون) مسألة فيها نظر