التمثل الذهني وتجليات التمثيل الأيقوني في اللغة الشعرية عند كريم معتوق
بقلم د. محمد عبدالله الخولي/

تسبق عملية التمثيل النصي التمثلات الذهنية – ونعني بها – العوالم المنخلقة – لا شعوريا – في أفق المخيلة الذهنية، فعملية التمثيل النصي في كليتها ترجمة للتمثلات الذهنية في العالم الباطني عبر الرموز اللغوية. إذن، القارئ للنص الشعري أمام منظومتين: ذهنية (لامرئية)، ونصية مجسدة في العالم النصي وعمادها اللغة الشعرية.
إنّ اللغة الشعرية التي يتشكّل منها النص عالم رمزي محتشد بالشفرات المستعصية على التلقي (التواصل) المباشر، ولعل السبب في ذلك، أن المنظومة الذهنية التي تراءت للشاعر في مخيلته هيمن عليها العالم الرمزي؛ لانبعاثها من عالم اللاوعي الذي يلقي بشفراته وشروطه على الوعي الإنساني، ويجد الشاعر الحقيقي نفسه خاضعا في عملية التلقي الباطني (الداخلي) لعالم اللاوعي، فكلما حاول الوعي أن يشتبك ليفكك المنظومة الرمزية ، وجد نفسه محاطا بشروط العقل، ولابد له من جسدنة المعاني في أبعادها الثلاثة: اللغة، الزمان، المكان، وعملية التجسيد هذه تتنافى مع منطق الشعر وتبتعد عن جوهره الخالص،”فالإبداع هو محصّلة لتفاعل ثلاثة متغيرات للشخصية هي الأنا والأنا الأعلى والهو، وتحقق الإبداع مرهون بكبت الأنا حتى تبرز على السطح محتويات اللاشعور أو ما قبل الشعور.” ولذا يترك الشاعر المجال واسعا للمنظومة الذهنية الرمزية محاولا تجاوز الشرط والقيد وحدود الزمان والمكان متخطيا سياج اللغة الطبيعية، مرتكزا على لغة أيقونية (تمثيلية) تعيد تمثيل العالم رمزيا، في أقرب صورة ممكنة للمعاني القابعة في الجوانية الذاتية، فتتحول اللغة هي الأخرى إلى منظومة رمزية “وتتخذ لنفسها وظيفة علاماتية خالصة.. إن هذه الشفرات والرموز تحاول أن تماثل شفرات المخيلة.. أي أن اللغة تحاكي العالم الرمزي المشفر داخل الذات، فتتحول اللغة تلقائيا إلى منظومة رمزية معادلة.
بناء على ما سبق ينطرح سؤال – هو الأهم على الإطلاق في عملية التمثيل الشعري-: هل تستطيع اللغة أن تحيط بالعالم الذهني المتخيل في الذات الجوّانية للشاعر؟ وبصيغة أخرى: هل اللغة قادرة برمزيتها المتعالية أن تستجلي كوامن النفس البشرية؟ هل جوهر اللغة يحيط بجوهر الشعر أم العكس؟ بالطبع الجوهر الشعري أكبر من حدود اللغة ورمزيتها “فالشعر هو نظير العدم وأنه يصبح بطاقة لا متناهية تسري في الكون كله وتقع في المستوى الضمني، لكنه عندما يريد الظهور يتحجّم في أبعاد محددة (اللغة والزمان والمكان) بعد أن كان لا نهائي الأبعاد، ولأنه فقد أبعاده اللانهائية فإنه يتقمّص أبعاد المستوى العياني ويتحول إلى قصائد، في حين أن اللغة كلها هي اهتزاز صغير في محيط شعري هائل… فالشعر هو الذي ينتج اللغة واللغة تنتج المضامين أو المدلولات باعتبارها خزينا للعقل.” إذن، للشعر مستويان: المستوى السديمي العدمي (اللامرئي)، وهو أكبر من محدودية اللغة. ومستوى عياني (مرئي) تحده الأبعاد الثلاثة، إذن، عملية التمثيل النصي مهما تماهت في عالمي: التخييل والترميز لن تستطيع بأي حال من الأحوال أن تكشف الحقيقة النصية في جوهرها، ولن تستطيع المساس بماهية الشعر الخالصة؛ إذ اللغة في حقيقتها وهم يعبر عن وهم، فهي الوسيط الذي من خلاله يحاول الشاعر أن يستقرئ واقعه، وبها يفكك الإلغاز الرمزي المركوز في الذات الجوانيّة.
من هذا المنظور، فنحن أمام نصين: حقيقي يحاول الاقتراب من الجوهر الشعري وماهيته، ومزيف يملي الواقع والعقل عليه شروطهما، وإن شئت فقل: نحن أمام نصين أحدهما حيّ والآخر ميت منذ ولادته الأولى، فالشعر حياته في تجاوزه، وبقدر هذا التجاوز تكتمل الحياة للنص الشعري الذي ينولد جنينا في رحم الإبداع، وليست ولادة الشعر بالأمر الهين؛ فولادة القصيدة عملية صعبة، لا تتم حسب قوانين ثابتة، إنها تتغير كتغير فصول السنة، بل إن ولادة قصيدة تضاهي ولادة إمبراطورية بكاملها.
ينماز الشعر – دون سائر الفنون – بخصيصة تميزه عن غيره، وهذه الخصيصة إن لم يلتفت النقد إليها، وضع الشعر في مقام ليس مقامه، وحيّزه بسياج يخرج الشعر عن ماهيته وشرط وجوده. غالبية القراءات النقدية تعالج النص واضعة إياه في أفق الجمال.. ويخضع النص الشعري – وفق هذه القراءات لمقاييس الجمال بنظرياتها المختلفة، والشعر يتأبّى على مثل هذه المعالجات “إذ الفنون بضمنها (ما عدا الشعر)، قائمة على أساس جمالي معروف قامت بتوضيح طبيعته المناهج الجمالية التي ضجّت بها تيارات علم الجمال المختلفة. . أما الشعر فلا تنطبق مقاسات الجمال المعروفة عليه، وإن طبقت فلابد أن نمارس قسرا عليها وعلى الشعر معا. فالفنون الأخرى تتدرج مع بعضها بالدرجة، ولكن الشعر ينفصل عنها بالنوع، إن للفنون والآداب جوهرا جماليا أما الشعر فله جوهر أبعد من الجمال، إنّ له جوهرا ميتاجماليا. فهو أبعد من قياسات النظريات الجمالية برمتها، إذ يتوجّب على النقد وضع الشعر في المنطقة الميتاجمالية وجعل جوهره خالصا حتى يتسنى للمخيلة البشرية أن تقوم ببناء الخطاب الشعري صافيا، وأن تذهب به إلى الأقصى، فالغاية من عملية التمثيل تتخذ من الجمال اللغوي سبيلا وليس غاية لها؛ إذ الكون المتشكل في المخيلة الذهنية كون جمالي خالص، يتطلب لغة جمالية نعبر من خلالها عن هذا الجمال المطلق، الذي يتأبّى على الحدود والقوانين والأشكال.
إن النص الشعريَّ يطمح إلى الكمال المندمغ مع أكوانه المشكلة له ظاهرا وباطنا، فالتمثل الذهني كون تخييلي ينبني عليه النص الشعري ويرتكز، أما الكون الجمالي (الفني) هو الحامل في طيّاته عوالم الذات الباطنية، فتتحول عملية التمثيل – الناشئة من النفسي والجمالي – إلى عملية تكوين بنيوي (عضوي)، من المفترض أن يحمل العالمين السابقين في بنيته التمثيلية، وهذا ما طرحه خليل حاوي حيث يقول: أن الشكل الذي ينمو مع القصيدة، ليس مجرد مسألة نفسية فقط، بل هي أيضا مسألة فنية تضمن للقصيدة نموها البنيوي العضوي، حيث لا تولد القصيدة إلا حين يستدعيها الموقف، ومن ثم يتكامل النفسي، والفني، والفكري، والشكلي، مما يجعل نمو القصيدة نموا كليا، وكل قصيدة تتسق في مولدها مع تجربتها الخاصة، ومن هنا تتنوع أشكال وبنيات القصائد.
يحطم الشاعر كل عرى التواصل والاتصال مع المتلقي، ويهشم السنن الثقافي المشترك ليمنح القصيدة وجودا حقيقيا مجردا “فمفهوم الاتصال الذي ارتبط باللغة باعتبارها أداة اتصالية بين الناس، انشق عليه الشعر وبدأ يسعى لخلق مفهوم معارض له، حتى أنه كلما أصبح الاتصال عميقا وباطنيا ازداد الشعر دقة في اتجاهه نحو جوهره. وهذا ما يجعل الشاعر” يسعى إلى تدمير أية منطقة للحوار بينه وبين القارئ، لأن هذا الحوار – أعني الفهم – سيفسد كتمانية النص وسرية دلالته، فالمسافة التي بين الشاعر والقارئ مسافة تحسس الجمال لا فهمه، ويوم يتطابق توقع القارئ مع منجز الشاعر، فإن الشعر سيكون عبئا على نفسه وعلى الشاعر. ومن هنا تتحول عملية التواصل بين النص الشعري والقارئ إلى عملية تواصل جمالي محض، تنبني فيه عرى التواصل على التراسل الباطني الذي يحس ولا ويفهم.
وبعد هذه التطوافة، نستطيع القول: أن القراءة الواعية للنص الشعري، يتوجب عليها أن تمنح كلّ نص حق وجوده المغاير للنصوص الشعرية الأخرى، إذ كل نص يمثل كونا استعاريا لا يشتبه مع غيره – مطلقا – وهذه الأكون الاستعارية أيقونات من التمثيل اللغوي تضاهي – بقدر ما – التمثل الذهني للموضوع الذي يرتكز عليه النص الشعري، ولا ينسى الناقد الحصيف أن يوازن بين الموضوع النصي – بوصفه تمثلا ذهنيا- وبين عالم الرموز اللغوية باعتباره تمثيلا لهذه التمثلات، وبين التمثل والتمثيل ينقب الناقد عن الأكوان الجمالية الناشئة في النص الشعري. ولعل ما سقناه من رؤى يفكك مضامين عنوان الدراسة.
يتطلّب هذا العنوان مدونةً شعريَّة جادة متحققة، ليمارس النقد عليها سلطته تنظيرا وتطبيقا، فالمسرح الأدبي يضج بنصوص لا تنتمي إلى الشعر والأدبيّة إلّا تجوّزا وتجاوزا، إذ النقد تغافل عن مهمته الحقيقية: أن يعرّف الجمهور ماهية الشعر وكينونته، فاحتشد المشهد الأدبيّ بنصوص زائفة لا ترتقي إلى مستوى الشعرية المتغيا. فالنصوص الشعرية المنطرحة على المسرح الأدبي واحد من ثلاثة، نص شعري ينماز بالصنعة حيث يتحول النص إلى جمالية محضة، وتخادع اللغة شاعرها فيتماهى في الجمالية اللغوية، فينسرب الموضوع/ التجربة من بنية النص، وعندما تفتش في الجمالية اللغوية باحثا عن ركائز التجربة، تجد النص خاويا على عروشه، فالجمال ليس الغاية القصوى من النص الشعري، إذ الأخير بنية جمالية نعبر بها عن تجربة إنسانية متحققة، والشاعر الذي يفيض نصه جمالا، دون ركائز موضوعاتية، شاعر لا يعوّل عليه. أما الثاني نص سيّجه شاعره بسياج الواقع المحايث بالشرط والقيد، فتنسرب الجمالية الشعرية، وبهذا يخرج الشعر عن أصله وكنهه وحقيقته. أما الثالث (المتغيا) الحقيقي، نص يتماهى فيه الشاعر مع تجربته الإنسانية، ويتلاشى في الجمالية اللغوية في آن، فهو مستغرق بالكلية في ذاتية التجربة، وتستحوذ عليه الجمالية الشعرية، فلا تستطيع أن تفصل جمالية النص عن موضوعها، ولا ينفصل الأخير عن الجمال الشعريّ. هذا هو النص الحقيقي المسافر في ملكوت الشعر، المناضل من أجل تجربته، فشاعر كــ (درويش) تنبني أعماله في كليتها على موضوع واحد (القضية الفلسطينية)، على طول مسيرته الشعريّة، وتتبدّى في كل مرة فلسطين أنثى كلما همّت للقاء حبيها، بدلت فستانها، غيّرت عطرها، تتفجر أنوثتها كلّ مرة بطاقات جمالية مختلفة، ولم تزل تكتنز الدرّ في خصرها، وبين نهديها وفي عطفيها، ولم يزل شاعرها يفتش عن مناقب حسنها، فلا هي تكف عن إبداء مفاتنها، ولا هو يضنيه البحث عنها، هذا هو الشعر الذي أريد.
هذا الشعر الذي وجدته وصادفني، وأنا أطالع ديوان: ” رحلة الأيام السبعة” للشاعر (كريم معتوق)، وقد استلبني العنوان – بوصفه نصا موازيا – يحمل في طياته كُتَلَاً استعارية تمثل في حقيقتها الباطنية مضامين النص الشعري. توقفت طويلا عند مفردة (السبعة) والتي تحيل – وفق معجميتها وتداوليتها – على الاكتمال، فكان العرب لا يطلقون على الأسد سبعا إلا إذا اكتملت قوته، واستطالت مخالبه، وكان العدد (سبعة) – بمضاعفاته – يدل على اللا نهائية العددية، وبهذا نزل القرآن الكريم، حيث قال جلّ جلاله: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ). ومن خلال ما سبق ينفتح التأويل على مستويين: (المباشر)، والذي يعني التحديد، أن الرحلة كانت سبعة أيام لا تقل ولا تزيد. (دينامي) حيث تنفتح دلالة العنوان على ما هو أعمق من هذا، فاكتمال الأيام السبعة= الأسبوع، ولهذه المفردة دلالات متعددة تتموسق كلها مع الديوان، فالأسبوع يشير إلى انتهاء دائرة الأيام الأسبوعية، ويدلي بطرف – وفق ما جاء في المعجم – إلى معنى الطواف، ويشير إلى أسبوع الآلام عند السادة المسيحيين، والذي يبتدئ بيوم الأحد. هذه الدلالات السابقة في مضمونيتها تحيل إلى أنّ رحلة الشاعر لم تكن ترفا، ولكنها من أجل البحث عن الحقيقة، ولم تكن بغيته السياحة بمعناها السطحي، ولكنها السياحة من أجل التعرف على الذات، لم تكن رحلته لعبا وتسلية، بل كانت معاناة من أجل التحقق.
قسّم كريم معتوق ديوان “رحلة الأيام السبعة” إلى سبعة أيامٍ وأضاف إلى السبعة خمس قصائد: قالت وقلت، أمنيات، في المقهى، إملاء، أحمد. وكأنّه بعد رحلته التحققية يطالعنا بنتائج هذه الرحلة، يكاشفنا عن ذاته وحقيقتها بعد أن تعرف عليها وإليها، بعد أن تعمّق في بنيته التحتية اللا شعورية، وتحولت أنا الإنسان إلى أنا شعرية استغوارية استغرقت بكليتها في الباطن الجواني في عوالم اللاشعور بغية الكشف عن الحقيقة.
لعلني الآن أستطيع – وبكل أريحية – أن أفكك لكم إلغاز/ مضمونية عنوان القراءة: ” التمثل الذهني وتجليات التمثيل الأيقوني في اللغة الشعريّة عند كريم معتوق”. فرحلة مغيبة في النفس لا تستطيع اللغة، ولا العقل المحايث إدراكها في كون نصي، فمازج الشاعر بين رحلته المغيبة في ذاته ورحلته الحقيقية في الواقع المعيش، واستطاع العقل الشعري المبدع أن ينتج لنا رحلة ثالثة فلا هي المغيبة في الذات، حيث يصعب إدراكها، ولا هي الرحلة الحقيقية في الواقع، فأصبح النص أيقونة تمثيلية نحاول من خلالها الاقتراب – بقدر ما وفق ما تسمح به اللغة – من عالم الشاعر وتجربته.
ديالكتيك الروح والجسد في العالم النصي:
يبحث كريم معتوق في هذا الديوان عن ثلاث أنوات: أنا (الذات)، أنا (العربي)، أنا (الإنسان).. وهذه الرحلة ناشئة – في كليتها – على التوتر والقلق المعرفيين. حيث تنوجد الـ (أنا) ذاتي متشظيّة مشتتة في العالم النصي لكل قصيدة، هذه الأنا التي فرضت روحانيتها العربية والدينية على المكان في أول قصيدة ابتدر به كريم معتوق ديوانه، وهي: “اليوم الأول” والتي يقول فيها:
ينحني من أوَّلِ الصُّبحِ إلى اللّهِ
يُصلي ركعتينْ
ثم يَنهارُ على أعتابهِ وَجهُ النَّهارْ
قِبْلةً واحدةً أو قِبلتينْ
ثم ينهالُ الغبارْ
فوق كلِّ الصُّورِ العَطْشَى لعينينِ
وفوقَ الخُطَبِ الظَّمْأى لأسماعِ الصّغارْ.
يتحقق وجود الـ (أنا) في أول يوم للرحلة بالصلاة، وكأنّ هذه الروح تثبت حقها العقدي في الوجود، دون أن تعترض أو أن تمنع غيرها من حق الممارسة العقدية بطقوسها، وفي هذا يقول: [قبلةً واحدة أوقبلتين]، والذي جعلني أقف عند هذه المشهدية، أنه أعاد تمثيلها بشكل مغاير وهو يصلي العصر، فيقول:
وعَطَفْتُ صَوْبَ النَّهرِ
صلَّيتُ وقتَ العصرِ
قصْراً هناكَ بمسجدِ الأتراكِ
وانكَسَرَ النَّهارْ
في النَّهرِ والْتَمَعَتْ نجومٌ
حينما انْحَسَرتْ غُيومْ
عنها فجاذَبَني المسارْ
عندما يكرر الشاعر مشهدا بعينه، علينا أن ننتبه إليه، ونبحث لهذا التكرار عن دلالة نصيّة. فقد ابتدر صباحه بصلاة نحو قبلته، مع سماحه الإنساني بوجود قبلة أخرى، فهذا لا يعنيه، فهو حق الآخر، ثم ينتصف يومه بصلاة العصر تطهيرا وتوغلا في حالته الروحانية، في مكان يضج بالماديات، فثمة جدلية مستقرة في العالم النصي، وهي جدلية الروح والمادة، فالعالم الغربي تحيطه المادة (الفكر المادي) في أنساقه المختلفة، بينما تتجلى روحانية الذات العربية في هذا المكان، فينولد ديالكتيك درامي بين حركية الروح وجمود المادة، وهذا الديالكتيك يتوغل في عالم الديوان من أول سطر شعري فيه حتى نهايته. فيقول في قصيدته “اليوم الثاني”:
بَردُ هذا الصُّبحِ
والثَّلجُ الذي حاصرَ ألوانَ المدينةْ
عطَّلَ الأزهارَ عن ألوانِها
واختَبأ الطَّيرُ فلا نَسمعُ نَجواهُ
ولا الشَكْوى الدفينةْ
حَجَبَ الأشجارَ عن خُضْرتِها ثوبُ وقارٍ
رغمَ هذا العُرسِ
ألقاها حزينةْ
وأنا أطْلقْتُ خَطْوي
تتَحَدّاني المَشاعرْ
وجهُ أوروبا نظيفٌ
فاكتبِ الآنَ على هذي الدَّفاترْ
إنَّهُ الأبيضُ في الغاباتِ والشَّارعِ
حتى بِزَفيرِ النَّاسِ
إذْ كان دُخاناً وسجائرْ
وأنا لمَلمْتُ كتفيَّ من البردِ
اختصَرْتُ العُنُقَ الشَّامِخَ من حريَّةِ الرَّأيِ
ومن نومِ العساكِرْ
كيف لي أن أكتبَ الآنَ
وقد أدْفأتُ كَفَّيَّ
كأنَّ البرْدَ نِدٌّ للخواطرْ
نجد أوروبا غارقة في سكونها وجمودها الثلجي، فالطبيعة والناس في حالة خمول وثبات، إلا الشاعر نجده هو المتحرك وحده في هذا العالم المغيب في قبضة الثلج، وهذه جدلية أخرى ودرامية متصاعدة بين الجمود الأوربي – بدلالاته المتعددة – وبين روح العربي الذي يحاول الشاعر أن يمنحها سلطة الكتابة على هذه الصفحة البيضاء الأوربيّة، كي يخرج العربيّ من حيز المفعولية إلى حيز الفاعلية في العالم.
لم يتوقف الشاعر في دراميته المتصاعدة (المتخيلة) عند هذا الحد، وهو يقارن بين أوروبا ووطنه العربي، فينتصف لوطنه باحثا عنه في مكان يحمل دفء الوطن، قيظ الصحراء، صيف العرب، طبيعة أوطاننا التي تتنافى مع هذا الجمود، فليجأ الشاعر إلى مكان معادل يحمل دفء عروبته، وهو الحان، فيقول:
فادخُلِ الحانَ لتَلقَى
مُدنَ الصَّيفِ التي تألفُها منذُ الصِّغرْ
واخلَعِ المِعطَفَ يكفيكَ الذي تَحمِلُ
في صدرِكَ من همٍّ ثقيلٍ كالحَجرْ
حينما تَذْكُرُ أحوالَ العربْ
كِدْتُ أنسَى
إنّما ألفُ سَبَبْ
جاءَني فيه القدَرْ
كي أرى الرأسَ
بما يَحْمِلُهُ الرأسُ انفَجرْ
ها هو النادِلُ حيَّاني بصبحٍ عربيٍّ واحتَجَبْ
لاجئاً يبحثُ عن أمنٍ وأرضٍ
وجوازٍ للسَّفرْ
حيثُ لم تتَّسِعِ الآنَ لهُ أرضُ العربْ.”
هنا تبحث الذات عن عروبتها/هويتها، فتبتعد عن العالم الثلجي باحثة عن دفء وطنها، ولكنّ تذكرَ الوطن العربي – في عموميته – لم يكن باعثا على الراحة والاطمئنان. هنا اختفت أنا (الذات) لتتجلى أنا (العربي).. ويتحول مسار الديوان في هذ المشهد الشعري من روحانية صافية وهدوء وصلاة، إلى انكسارات الـ (أنا) العربيّ، فاستدعاؤها جعل الشاعر يبحث عن هويته بين توتر وقلق، وهذا ما ألمح إليه الشاعر بالإشارة إلى النادل العربيّ الذي يبحث عن هويته الإنسانية في بلاد غريبة.
جدلية الروح والجسد فعل حركيٌّ درامي يستلب الديوان كله، ليس على مستوى الفكرة وحسب، ولكن أيضا على مستوى الصورة الواحدة، فيقول عن بائعة العطور:
وهُناك بائعةُ العُطورِ
تبيعُ قبل العِطر بعضَ دلالِها
فَتُحسُّ أنَّكَ جئتَها
كالفارسِ العربيِّ أو أنتَ الحبيبْ
هي عَلَّقَت في صدرِها المُكتَظِّ بالنَّشوى صليبْ
ظمآنَ مثْلَكَ للدَّفا
ذهبٌ على ذهبٍ غريبْ
رُغمَ التشابُهِ في البَريقْ
خُذْ ما اشتريتَ وغادِرِ الدُّكانَ
تَدفْعُكَ ابتسامَتُها الأخيرةُ للطَّريقْ.
تتحول بائعة العطور إلى أيقونة رمزيّة، فربما تكون بائعة العطور هي أوروبا المتجسدة في أنثى، يكتظ صدرها بالنشوى، يحمل هذا الصدر صليبا، والذي يحيل مباشرة إلى فكرة الجسد في العقدية الكنسية، فلم تكن غاية كريم معتوق هنا التبتل في جمال بائعة العطور، ولكنه القلق الذاتي المنشطر بين جمالية الروح والفتنة بالجسد، فلم تزل الذات واقعة في هذا الديالكتيك بين روح الوطن/ الهوية وفتنة الجسد الأوربي.
لم تقف هذه الجدلية عند حدود اللغة، ولكنّ الشاعر صعّد هذه الجدلية ليصل بها إلى مستوى التشكيل البصري، فنراه يمزج بين القصيدة الحرة- المتحررة من قيود الوزن والقافية – والقصيدة العربية العمودية بشكلها الكلاسيكي، فيقول في قصيدته “قالت وقلت”:
إنّي ألفْتُ هنا الإحباطَ سيِّدتي
فما يضرُّ شقاءٌ زانَهُ الكِبَرُ
قالتْ شموخُكَ قلتُ الدهرُ يسحَقُهُ
فلا يدومُ شموخٌ حينَ ننحَدِرُ
قالتْ جموحُكَ قلتُ الخوفُ يردَعُهُ
كما يُروَّضُ مُهرٌ جامِحٌ خَطِرُ
قالتْ حروفُك قلتُ الناسُ تحفظُها
إنْ كانَ فيها إلى عليائِهِم أثَرُ
قالتْ وأنتَ فقلتُ اللهُ يحفظُني
مِن العذابِ وممّا يَحْملُ القدَرُ.”
بعد انتهاء أيامه السبعة، وبعد قصيدة “اليوم السابع” إشارة إلى انتهاء الرحلة المعرفية، تعود الذات إلى وطنها، وتجري معه حوارية متخيلة في صورة أنثى تتحدث بلسان الهوية العربية، واللافت للنظر أن تلك الحواريّة انبنت في شكل عمودي كلاسيكي، وكأنها جدلية أخرى بين شكلي القصيدة: الحداثي والتراثي، وكأنّ الشاعر هنا يصعد من الدرامية – بمفهومها الواسع – في إقامة حوار على مستوى الشكل (الإطار) النصي، وهنا ينضاف مسار آخر يصعّد الجدل على مستوى التشكيل البصري، وكأنّ الأشكال الشعرية يدور بينها جدل في العالم النصي، وأظن أن الشاعر كتب هذا النص “قالت وقلت” بعد عودته من الرحلة، فاستدعى الشكل الكلاسيكي الذي به يستدعي التاريخ العربي القديم. هذا الصراع الدرامي المتنامي في النص (المعتوقي) مولد من مولدات الجمال في العالم النصي.
ابتكارية الصور ودهشة المجاز:
لم تكن العوالم المجازية عند كريم معتوق مجترّة ولا مكرورة، ولكنه خلق صوره وعوالمها المجازية من عدم، وهذه العوالم المنخلقة في نص معتوق، توقفت أمامها طويلا، حيث يختلب العالم المجازي عنده منظومة رمزية متعالية تحتشد في أفق الصورة، وتغطي الجسد النصي كله، وكأنّ الصورة قطعة قماش مطاطة يوسع الشاعر مساحتها لتغطي جسد المعنى، وهذا ما أسماه مايكل ريفاتير بـ “التمطيط الرمزي” وهذا ما وجدناه عند معتقوق، حيث يقول:
فدخلْتُ حانوتاً يَبيعُ غَرائبَ الأشياءِ
في وقتِ الغداءْ
وطلبتُ لَحْمَ القِرشِ محبوبِ الرِّجالْ
مَلِكُ البحارِ تُذِلُّهُ أيدي النِّساءْ
فأكلْتُ منهُ ولا أزالْ
حتى حَزِنْتُ من الغداءْ
وحَزِنْتُ كيف تُذِلُّهُ أيدي النِّساءْ
وهو الذي مَلَكَ البِحارْ
وتخافُ غَضْبتَهُ السُّفُنْ
فدفعْتُ مِن حُزْني عليهِ لَهُ الثَّمنْ
وكأنَّه قدْ قالَ لي
حالي كحَالِكَ سَيِّدي
قد ذلَّ مَن فَقَدَ الوطَنْ
هنا نتوقف عند جمالية الصورة المعتوقية تلك الصورة التي انبنت على أيقونة سمكة (القرش) والتي تشير – في إحدى دلالاتها – بعبقرية إلى الرجل من موضوعها المباشر، وتشير بدينامية (انفتاح تأويلي) إلى العربي الذي يحمل تاريخا من المجد والشرف، ولكن تغيّر به الحال، وهنا أعود مرة أخرى للعنوان “التمثل الذهني…” حيث يتقاطع الخيال مع الواقع والمكان والتاريخ والوطن والذات.. فطبيعة المكان وتاريخيته هي التي حتمت على كريم معتوق أن يصطفي (سمكة القرش) رمزا للرجل العربي، فمعتوق امتداد لتاريخ قبائل عربية لم تخف البحر ولم تهابه، وخاضت مع البحر معارك يشهد لها وبها التاريخ، فلم يكن أمام هذه القبائل إلا البحر- بوصفه مصدرا للرزق والحياة – في حقبة تاريخية معينة طويلة وممتدة – فهذا الرجل الذي يرمز إليه بسمكة القرش يحمل تاريخا مشرفا ومجدا عاتيا فكيف تغيرت به الحال. صورة مبتكرة، عالم مجازي جديد تقاطع فيه الخيال مع الواقع وطبيعة المكان وتاريخ الـ (أنا) العربي، فسمكة القرش التي استدعاها معتوق مفردة واحدة، ولكنها عبر تركيبه الشعريّ احتوت منظومة رمزية متعالية، وهنا يكمن جمال الشعر حيث يتحرك المرئي (سمك القرش) بشكل رمزي ومنظم في النص، فالخيال (اللامرئي) الفوضوي هو الذي يحرك الرمز في العالم النصي،، فالمجهول يحرك المعلوم، والمطلق ينظم حركة النسبي، واللاشعور يفرض سلطته على الوعي، فالجمال الشعري توتر بين المرئي واللامرئي، بين الواقع والطموح، بين القائم والممكن.
المفردة اللغوية وخزان الذاكرة:
اعتمد معتقوق طريقة التكثيف عبر لغته الشعريّة، وهذه التقنية تتأبّى على كثير من الشعراء، حيث تحتاج هذه التقنية إلى شاعر حصيف موهوب، يستطيع أن ينتقي لفظة بعينها عبر تراكيبه الشعرية، لتكون هذه اللفظة خزانا تاريخيا تنفتح دلالاته على التأويل، ففي قصيدته “اليوم الرابع” يقول:
عُطلةُ السَّبتِ
وما أدراكَ بالسَّبتِ الذي فاتَ اليهودْ
كلُّ شيءٍ قد تَصنَّعتُ له النِّسيانَ
ألقاهُ يَعودْ
كلُّ شيءٍ
صحُفٌ تكتبُ عن مأساةِ بيروتَ
وعَنْ قَتْلى الحُدودْ
وعن التُّخمَةِ في أبْقارِ أوروبا
وجَوْعى لا تنامْ
كلُّ شيءٍ عادَ
مُـذْ قلتُ حرَامْ
إنَّنا قتلى الحضاراتِ التي
تُتقنُ فَنَّ الغدرِ في الظَّهرِ
وفي الوجْهِ الكلامْ
هنا تتبدّى عبقرية كريم معتوق في استدعائه لمفردة (السبت) المحتشدة دينيا وتاريخيا وسياسيا بالفكر اليهودي، فهو عبر هذه المفردة وحدها استدعى التاريخ اليهودي من أول النشؤ إلى احتلال فلسطين، ويكفيك وأن تطالع هذه المفردة أن يتحرك أمامك فيلم سينمائي يعرض لك التاريخ اليهودي كله.
تصاعد الأيقونات الاستعارية في الكون النصي:
يتبدى لنا الديوان كله لحمة واحدة ونسيجا متداخلا، فالديوان كله يرتكز على موضوعات تنسل من قاعدة واحدة، تشكل هذه الموضوعات- عبر اللغة الشعرية لكريم معتوق- أيقونات استعارية متنامية/ متصاعدة تشكل في النهاية العالم النصي للديوان.. وتحمل تقنيات الكتابة في الخطاب الشعري لكريم معتوق، وهذا يدل على الانسجام النصي المتصاعد الذي يخدم الموضوع النصي عبر أيقوناته الاستعارية المتداخلة التي ينشأ على قاعدتها الكون النصي لكريم معتوق.
بداية من العنوان والذي شكّل كتلة استعارية مندمجة، ثم تفككت هذه الكتلة عبر المتن النصي على شكل أيقونات متداخلة ومندغمة، وتحولت هذه الأيقونات إلى مرايا تتراءى عليها مراحل السفر ومعاناة الذات، وهي تبحث عن أناها العربي والإنساني، فلم يخرج نص واحد في الديوان عن هذه الفكرة وهذا المرتكز. ولم يكن لهذه الموضوعات النصية أن تنوجد في هذه الأكوان الاستعارية إلا بلغة شعرية متعالية تضمن لها الوجود في العالم النصي، وهذا ما وجدناه عند الشاعر العربي كريم معتوق.
رمزية المرأة وهيمنة العوالم الرمزية:
احتلت المرأة – برمزيتها – جسد الديوان كله، ورصدتها – حصرا – في سبعة مشاهد على مستوى العالم النصي للديوان: [الشقراء/ بائعة العطور/ بائعة الورد/ الأرملة/ الشمطاء/ امرأة القطار/السيدة العربية]، والمشاهد السبعة تتشظّى في بنية الديوان – بوصف المرأة رمزا متعاليا (أيقونيا) – فالديوان كله مبنيٌّ على هذه المتعاليات الرمزية، لتصبح المرأة مستودع الذات الباحثة عن هويتها، وكيف لا؟ وقد قال عنها ابن عربي: “أنها أول مظهر من مظاهر التجليات الرحموتية”. يبحر الشاعر في عمق التجربة وعندما يرهقه السفر يعتصم بحضن أنثاه، ولكن الأخيرة – بوصفها رمزا أيقونيا – انفرطت دلالاتها في بنية النص، حيث أصبح كل مشهد من المشاهد السبعة دليلا على معنى منطوٍ في جوانيّات الذات.
في المشهد الأول (الشقراء) تتجسد أوروبا أنثى تتبختر في مشيتها، وعن هذا يقول الشاعر:
تَمْشي تقَلَّدَتِ المظلَّةَ
كَمْ تَمنَّى أنْ يُعانِقَ شَعْرَها
هَذا المطرْ
حَمَلتْ مواسِمُها فأتْعَبتِ الفُصُولْ
تمشي وتتبَعُها الحُقولْ
فكأنَّها ماءُ النَّهرْ
ضَمَّ الجداولَ كُلَّها
وبِضِفَّتيْهِ نما شَجَرْ
إنّ التغزل هنا ليس غرضا شعريا، ولم يكن غاية نصية، إنّ الشقراء تحيل برمزيتها إلى العالم الغربي.
وفي المشهد الثاني ( بائعة العطور)، يقول معتوق:
ورأيْتُ بائِعَةَ العُطُورْ
تمشي تَأبَّطَها صديقْ
أحسسْتُ أنَّ خِيانةً كُبْرى
وأسئلَةً على نَفَسي تَضيقْ
هو ليسَ فيهِ مِن الجمالْ
شيئاً يُميَّزُ أو يُقالْ
وهي التي لو مَرَّةً ضَحِكتْ
سيشتَعِلُ الطريقْ
أو أنها نظرتْ لأدْركَتِ الرِّجالْ
يتَسابقونَ إلى البريقْ
ذاك الذي في العينِ يَمتَحِنُ الرِّجالْ
وعرفتُ أنَّ الحبَّ أعمَى مثلَما قالوا
وصدَّقْتُ المقالْ.”
بائعة العطور رصدتها في مشهدين: الأول، عندما ابتاع منها، وبعد أن حققت مرادها، ابتسمت له بغية أن ينصرف عن المكان. والثاني، عندما وقعت عينه عليها، وهي تتأبّط ذراع رجل آخر. هذان المشهدان يحيلان إلى طبيعة العالم الغربي المبنية في أساسها على مبدأ المصلحة، وهذا لم يطالعنا به معتوق صراحة، ولكنها الدلالة الرمزية المتعالية التي تتخافى خلف جدار اللغة. ويحيل المشهدان إلى قيمة إنسانية أخرى، أنّ الإنسان عندما يريد البحث عن هويته، فعليه أن يبحث عنها في حضن هويته الكبرى (الوطن)، فالهويات الأخرى لن تسمح لذاتك بالوجود، بل مهمتها محق وجودك، فابحث عن هويتك في ذاتك ووطنك.
كان من الطبيعي أن يأتي مشهد (الأرملة) بعد المشهدين السابقين – ليس على مستوى النص، ولكن على مستوى الديوان – هذا المشهد الذي يحيل مباشرة إلى التشتت والقلق والحرمان والفقد، وفيه يقول:
هنا سيِّدةٌ تحمِلُ شيئاً
وتُداري أنْ يراها النَّاسُ، تُخْفيهِ
تقدَّمتُ، فضولي قادَني شوْقاً
وفي الثَّغرِ ابتِسامي
إنَّها تحمِلُ طفلاً
لم يزلْ في شَهرهِ الثَّالثِ
أوْمَأتُ إليها بالسَّلامِ
وتمنَّيْتُ بأنْ أغْدو رضيعاً
حينما أرضَعَتِ الطِّفلَ أمامي
أيُّ شهدٍ يا تُرَى ذاكَ الذي تسقيهِ
بلْ أيُّ مُدامِ
هل تُرى مَنْ ذاقَ ذاكَ الشَّهدَ
ذاكَ الشهَدَ
يرضى بالفِطامِ ؟
يرمز المشهد بكليّته – حتى وإن تزيَّا بعباءة غزلية مزركشة الألوان- إلى حالة من الفقد تعانيها الذات، فرأت نفسها طفلا يلتقم صدر أرملة تداري صغيرها، وهي ترضعه. تحيل الأرملة إلى انكسارات الهوية، فهي الأخرى تعاني الفقد، ولكنها – مع إحساسها بالفقد – لم تضن على صغيرها أن تمنحه الحب والحنان والدفء، وهذه الرمزية تؤكد ما توصلت إليه من ذي قبل، أن الهوية الإنسانية التي نتغياها لن نتحصّل عليها إلا من صدر الهوية الكبرى (الوطن).
في مشهد سيدة القطار – قبيل انتهاء الرحلة – تتجلّى الأنثى – بوصفها المستودع الجمالي الرحموتي للذات المشتتة، فالأخيرة لا يتحقق وجودها إلا بوجود الأنثى.. فيقول:
أوَ لم أزلْ أحيا وقد صافَحْتُها
ليتَ الثواني تُعْلنُ العِصيانَ
عن ركبِ الدَّقائقِ
والزَّمانْ ..
يغْفو
لكي تَبْقى أصابِعُها بكفّي
إنَّ هذا الحُسنَ يُؤْذيني
وتُؤْذيني العيونُ إذا رأتْكِ
وقد ضحِكْتِ بعنْفُوانْ
(4)
عينانِ خضراوانِ تُشْبِهُ غابةَ ( السَّيابِ )
في لونِ الغديرْ
عينانِ لو مرَّا على ( السَّياب )
لابتدعَ الكثيرْ
ولربما نسيَ السَّحَرْ
وأعادَ ثانيةً أناشيدَ المطرْ
مطرٌ مطرْ.
مرة تتجلى سيدة القطار فتاة غربية، ومرة أخرى تتجلى بروح عربية، لو صادفت (السيّاب)؛ لأعاد مرة أخرى أناشيد المطر، فالأنثى هي الأنثى ستظل قابعة في أفق الجمال. تمنى الشاعر أن يتوقّف الزمن به وبها، ولكنه قانون الرحلة المرتهن بشروط الزمن، ولكن الزمن لن يتوقف، وظلت الذات مشتتة قلقة حتى عادت إلى وطنها الأم، فتجلّت السيدة العربية والتي تمثل هويته في قصيدة قالت وقلت، والعجيب في القصيدة الأخيرة، أن الشاعر أجرى حواريته في ثوبها الأنثوي، ولكنه لم يتعرض لوصفها، والتغزّل فيها، كما فعل مع بائعتي العطور والورد، وكأنّ الشاعر يريد أن يحفظ لسيدته العربية حياءها واحتشامها، فألقى عليها نقابا ساترا، ثم أجرى حواره معها؛ تقديسا لهويته العربية.
المفارقات الجمالية وفلسفة الرؤية:
من التقنيات الجمالية التي انماز بها ديوان “رحلة الأيام السبعة” بلاغة المفارقة، تلك التي تنبني على التأمل الفلسفي في جواهر الأشياء والغوص في عمق بنية الواقع، فيقول:
صباحُ الخيرِ
فنجانٌ من القهوةِ أحلى ما يكونْ
آهِ ما أجمَلَ بُنَّ الغربِ
شايَ الغربِ في الشرقِ
جميلٌ كلُّ ما لا يزرعونْ
ويقول:
ما الذي يحملُ هذا الوردُ من سرٍّ
لماذا الوردُ للأعراسِ والموْتى
وللعُشّاقِ والمرضَى أسيرْ
إنني أمْقُتُ لونَ الوردِ
تطْويهِ يدُ العشّاقِ والمرضَى
ولا أرْضَى لَهُ هذا المصيرْ
ولماذا يَتَباهى القَصْرُ بالوردِ
وللفلّاحِ في الحقْلِ ذليلٌ وحَقيرْ
حينَما يظْمَأُ للماءِ
كأنَّ اللهَ لن يخلُقَ مَنْ يمنَحُهُ الماءَ
سوى هذا الفَقيرْ
وهْو في كلِّ القُصورْ
يَتباهى بفُجُورْ
حينَما جاورَ سجّادةَ تبْريزَ
وشَمَّتْه قُدودٌ من حريرْ
عندها.. أيقنَ ما معنى الرَّخاءْ
والذي أعجبُ أنَّ الوردَ
لو مرَّ على بيتِ فقيرٍ
ماتَ من أولِ شمسٍ
ألفُ سُبحانَكَ ربي
فكأنَّ الوردَ يخشَى الفَقْرَ مِثْلَ الأغنياءْ.
تتشظى هذه المفارقات الجمالية (الفلسفية) في ديوان ” رحلة الأيام السبعة لكريم معتوق، فهو شاعر يكتب بوعي شاعري وعقل تأملي فلسفي، يمتلك اللغة والمعنى، فهو الشاعر المحظوظ الذي قال عنه حجازي:” الشعراء ثلاثة، شاعر يجد المعنى ولا تسعفه اللغة، وشاعر يمتلك اللغة وينسرب منه المعنى، أما الشاعر المحظوظ هو الذي يخلق المعاني ويبتكر لها اللغة. هذا بالفعل ما وجدناه عند الشاعر كريم معتوق.
المصادر والمراجع:
– خزعل الماجدي، العقل الشعري (ج1)، دار الشؤون الثقافية العامة، ط1، بغداد، 2004.
– سعاد جبر سعيد، إبداعية النص الأدبي، عالم الكتب الحديث، ط1، إربد- الأردن، 2015.
– عبدالله العشي، أسئلة الشعرية – بحث في آلية الإبداع الشعري -، منشورات الاختلاف، ط1، الجزائر، 2009.
