مهرجان وهران للفيلم العربي… ذاكرة الصورة ووهج الانتماء
بقلم الصحفي والفنان بوبكر بلعيد/

في مدينة البحر والضوء، حيث تلتقي ذاكرة المتوسط بنبض الفن، تعود وهران لتفتح شرفاتها على الحلم السينمائي العربي من جديد. فالدورة الثالثة عشرة من مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي، التي تُقام من 30 أكتوبر إلى 5 نوفمبر 2025، لا تأتي فقط كتقليد سنوي، بل كاحتفاء بالسينما باعتبارها ذاكرة الوجدان العربي ومرآة للتحولات التي تعيشها الشعوب بين الأسئلة والآمال.
منذ تأسيسه سنة 2007، اختار المهرجان أن يكون جسرًا بين التجارب العربية، وفضاءً يتنفس فيه المبدعون بحرية الصورة ولغتها العابرة للحدود. واليوم، وهو يحتفل بدورته الثالثة عشرة، يعود أكثر نضجًا وانفتاحًا، جامعًا في برمجته 63 عملاً سينمائيًا من مختلف الدول العربية والأفريقية، تتوزع بين المسابقة الرسمية للفيلم الروائي الطويل، والوثائقي الطويل، والقصير، إضافة إلى عروض خارج المنافسة تعبّر عن تنوّع المشهد السينمائي العربي.
ولأنّ المهرجان لا يكتفي بالفرجة، فقد أعلن محافظه عبد القادر جريو أنّ هذه النسخة تكتسب خصوصيتها لكونها تتزامن مع الذكرى الحادية والسبعين لاندلاع الثورة التحريرية الجزائرية، في مبادرة تستعيد الذاكرة عبر الصورة. وسيُعرض بهذه المناسبة فيلمان تاريخيان هما «زيغود يوسف» للمخرج مؤنس خمار، و*«عشّاق الجزائر»* لمحمد قيطيطة، بحضور صنّاع العملين، تأكيدًا على أنّ السينما يمكن أن تكون سردًا آخر للمقاومة واحتفاءً بالحرية.
أما سهرة الافتتاح، فستحمل بُعدًا رمزيًا عميقًا في تكريم غسان مسعود ونادية الجندي ورشيد بوشارب، فيما يُكرَّم في الختام كلٌّ من سيد أحمد أقومي وياسر جلال، تقديرًا لمسارات فنية شكلت علامات مضيئة في السينما العربية. وكما أوضح المكلّف بالاتصال والعلاقات العامة فيصل شيباني، فإنّ المهرجان يولي أهمية كبيرة لتكريم الأسماء التي صنعت ذاكرة الشاشة العربية، وفتحت الطريق أمام أجيال جديدة من المبدعين.
ولا يقف الاحتفاء عند الأسماء، بل يمتدّ إلى المعرفة والإبداع، من خلال تنظيم ورش عمل متقدمة (ماستر كلاس) في الإخراج والمونتاج بإشراف الفنان السوري غسان مسعود، والمخرج الجزائري مرزاق علواش، والسينمائي اليوناني يورغوس لومبرينوس. كما تُنظَّم ورشات في كتابة السيناريو وسينما الهاتف المحمول ضمن مبادرة «سفراء الجزائر»، في إطار دعم المواهب الشابة وتعزيز حضور الجيل الجديد في صناعة الصورة.
ويواصل المهرجان هذا العام انفتاحه على القضايا الإنسانية والعدالة الثقافية، من خلال فقرة «فلسطين إلى الأبد» التي تُعرض فيها مجموعة من الأفلام الروائية والوثائقية الفلسطينية، تأكيدًا على استمرار التضامن الفني مع القضية التي تختصر وجع العالم العربي وحلمه بالحرية.
كما يفتح المهرجان نوافذه على السينما الأفريقية عبر عرض ثلاثة أفلام من كينيا ونيجيريا والسنغال، في خطوة تُجسّد البعد المتوسطي والانتماء القاري لوهران كمدينة تجمع الهويات في فسيفساء فنية واحدة. أما فقرة قضايا البيئة، فهي تأكيد آخر على أنّ السينما ليست ترفًا جماليًا، بل أداة وعي ومسؤولية تجاه الأرض والإنسان.
في النهاية، يثبت مهرجان وهران أنّ السينما العربية ليست مجرّد صناعة، بل حالة وجودية وجمالية تُعيد تعريف الإنسان العربي أمام مرآة ذاته وتاريخه. إنها محاولة دائمة للبحث عن الضوء في زمن العتمة، ولإعادة الاعتبار لصوت الصورة حين تتحوّل إلى فعل ثقافي مقاوم.
