فنّ الحكواتي في الجزائر… ذاكرة تربّي وعي الأجيال–
حين تتحوّل الحكاية إلى فعلٍ تربوي يُنقذ الخيال من هيمنة الآلة–
بقلم الصحفي والفنان بوبكر بلعيد/

في زمنٍ كانت فيه الكلمة أقوى من الصورة، وُلد فنّ الحكواتي في الجزائر كجسرٍ بين الماضي والخيال، بين المتعة والتربية. لم يكن الحكواتي مجرّد راوٍ للقصص، بل مربٍّ شعبي وفيلسوف بالفطرة يزرع القيم في العقول الصغيرة ويغرس حبّ الخير والعدالة والشجاعة.
في الأسواق والمقاهي القديمة، وتحت ظلال الأشجار في القرى والأحياء، كان صوت الحكواتي يجمع الناس حوله في طقسٍ جماعيّ يعبّر عن الذاكرة الشعبية. من خلال حكاياته، كان ينقل تجارب الأجداد، ويحافظ على منظومة القيم الجزائرية: احترام الكبير، حبّ الوطن، وصون الكلمة والعهد.
ولأنّ كل منطقة تحمل خصوصيتها، تنوّعت الحكايات بين القبائل حيث تُروى قصص “ثامقّرت” الممزوجة بالطبيعة والأسطورة، والجنوب الذي تحتفظ حكاياته بروح الصحراء والكرم، والمدن العتيقة مثل تلمسان والقصبة حيث كان صوت الحكواتي يمتزج بعبق القهوة والتاريخ.
بالنسبة للطفل، كانت الحكاية أكثر من تسلية، كانت مدرسة خيالٍ ووعي. فهي تعلّمه التفكير والتمييز بين الخير والشر، وتجعله يدرك أن العدالة تنتصر حتى في عالم الخيال. ومن هنا، تحوّل فن الحكواتي إلى وسيلة تربوية وثقافية تسهم في بناء الوعي الجمعي للطفل الجزائري.
🎙️ وفي هذا السياق، يقول الفنان الحكواتي السيد مكي سوداني:
> “إنّ فنّ الحكواتي جزء لا يتجزأ من أبو الفنون، أي المسرح، وله قيمة ضرورية في المجتمع لتوعية الطفل وتربية خياله وإخراجه من العولمة ومن هيمنة الأجهزة الإلكترونية. في ظلّ التطور التكنولوجي، أصبح فن الحكواتي ضرورة لتوعية المجتمع وتربية الطفل على الواقع. لذلك، من الواجب الاهتمام بهذا الفن ومنحه مكانته الحقيقية التي تصبّ في خدمة وعي المجتمع الجزائري.”
ومع تطوّر الفنون، انتقل الحكواتي من الساحات إلى مسرح الطفل، حيث استلهم المخرجون روح الحكاية الشعبية في عروض تربط بين الجمال الفني والتفكير النقدي، لتستمر الحكاية في أداء دورها التربوي والاجتماعي.
يبقى فن الحكواتي ذاكرة حية ومقاومة رمزية ضد النسيان، وصوتًا يُذكّر الأجيال بأن الكلمة والخيال هما أول طريق نحو الحرية والوعي. هذا
