نبوءة العابر في دهاليز الزمن–
بقلم عبد العالي لعجايلية/

كنتُ نبوءةً تمشي على رماد الوقت، أبحثُ عن وجهي في مراياٍ لم تُخلق بعد، كطيفٍ خرج من رحم الغياب، يتسكّعُ بين أنقاض الفكرةِ الأولى.
لم أكن وليدًا للآن، ولا سليلًا للأمس، بل شرارةَ وعيٍ انفلتت من قبضة الأبد، تهيمُ في ليل السرمد، تطاردُ ظلَّها في أزقّة العدم، وتستجدي من الصمتِ يقينًا يتكوّن على مهل، كبرعمٍ يفتّحُ جفنه على ضوءٍ لا يُرى.
في فجرٍ لا ذاكرةَ له، عند تخومٍ يفصلُ فيها العدمُ عن الوجود، سمعتُ الزمنَ يهمسُ لي من بين الشقوق:
“يا من تمشي في أوردتي، أتظنّ أنك تعبرني؟ أم أني أنا الذي أنبضُ فيك؟”
ارتجفتُ… إذ أدركتُ أنني لم أكن أتنقّل بين العصور، بل كانت العصورُ تفيضُ في داخلي كالمدّ الأبدي.
رأيتني في الزمن الأول، يوم كان الإنسانُ ظلًّا يبحثُ عن شمسٍ في صدره، يظنّ أن النجمَ أبعدُ من عينيه، وهو لا يعلم أن الضوءَ الساكنَ في وعيه أبهى من أيّ كوكبٍ معلّقٍ في السماء.
هناك علمتُ أن الجهلَ هو أولُ سجدةٍ في محرابِ الإدراك، وأن المعرفةَ جرحُ النورِ حين يكتشف أنه نار.
ثم سقطتُ في أزمنة الفكر، بين صخبِ أثينا ورنينِ السؤال.
رأيتُ سقراطَ يحتسي كأسَه الأخيرة، لا خوفًا من الموت، بل إجلالًا للحقيقةِ التي لم يجد لها وطنًا في القلوب.
كان صوته كجرسٍ يوقظُ النائمين في معبد الوهم، يقولُ وهو يبتسمُ للهاوية:
“الحقيقةُ لا تموت، لكنها تُنفى من عقولٍ تخافُ أن ترى وجهها في المرآة.”
وفي روما، جلستُ إلى ماركوس أوريليوس بين خرائب الإمبراطورية، يتأملُ زوالَها كمن يرثي حلمًا صنعه بنفسه.
كان يخطُّ على جدارٍ متصدّعٍ بقايا حكمةٍ تنزفُ من عينيه:
“كلُّ مجدٍ خارجيٍّ هو قناعُ هشاشةٍ داخلية، فالعظمةُ التي لا تُطهّرها يدُ الفناء، ليست إلا طينًا يتزيّنُ بثوب الخلود.”
سألته: “هل كانت العظمةُ تستحقُّ كلَّ هذا الرماد؟”
فأجابني بنظرةٍ تحملُ كلَّ المآسي:
“الفناءُ امتحانُ الخلود يا عابرَ الأزمنة، ومن لم يحترق بنوره، لم يعرف أنه حيّ.”
ثم تهاويتُ في ظلماتِ العصورِ الملعونة، حين كان الحرفُ يُصلبُ على أسوار المعبد، والفكرُ يُحاكمُ بتهمةِ الجرأة.
رأيتُ الكهنةَ يبيعون مفاتيحَ الغيبِ بأثمانٍ زائلة، والساسةَ يوزّعونَ الجنةَ بقراراتٍ أرضية.
كان النورُ يُستتاب، وكان الصمتُ وحده ينجو.
فقلتُ:
“يا للعار… أن يُحاكمَ الضوءُ بتهمةِ الإشراق!”
لكن بين رمادِ القرون، لمحتُ وجوهًا أخرى — أرواحًا خفيّةً لم تطفأ بعد، تُخفي في عيونها شررًا من الأبد.
أولئك هم الأنبياء الصامتون، الحالمون الذين لم يُسمّهم التاريخ، الزهورُ التي نبتت في صخرِ العزلة ولم يشمّ أحدٌ عبيرها، لكنها عطّرت الوجود من حيث لا يراها أحد.
ثم دفعتني ريحُ القدر إلى زمنٍ لم يولد بعد.
رأيتُ مدنًا من زجاجٍ يلمعُ ببرودٍ قاتل، وأرواحًا منطفئةً تخافُ أن تحلم، وقلوبًا تتنفسُ على عتبات الآلة.
كان الناسُ يتحدثون عن الحرية، لكنهم يسيرون بسلاسل من ذهبٍ على أرصفةٍ من ضوءٍ مزيّف.
كانوا يبتسمون للشاشات، وينسون وجوههم في المرايا، حتى صار الإنسانُ صورةً تبحثُ عن أصلها.
عندها سقطتُ في نفسي لا في الزمن.
رأيتُ داخلي ليلًا أعمقَ من الكون، وسمعتُ نبضي كأنه أنينُ الخليقة.
صرختُ: “من أنا؟!”
فأجابني الصمتُ بصوتٍ يشبه همس الخلود:
“أنتَ السؤالُ الذي خلقَ الجوابَ ليهربَ منه، وأنتَ الجوابُ الذي يخافُ أن يُقال.”
فانفلقَ الظلامُ عن ضوءٍ لا يُشبه النور، ضوءٍ يخرجُ من العدمِ لا من الشمس.
حينها فهمتُ أن الوعيَ ليس علمًا، بل انبعاثُ الأصلِ من ركامِ الغفلة، وأن الزمنَ ليس خطًّا يسير، بل دائرةٌ تلتهمُ ذاتها كلَّ لحظةٍ لتعود فتولدَ من رمادها.
هنالك، على عتبةِ الأبد، رأيتُ كلَّ الوجوهِ تسكنُ وجهي، وكلَّ الأرواحِ تتنفسُ من رئتي.
كنتُ الإنسانَ الأول والآخر، كنتُ الطينَ والنور، كنتُ الحلمَ الذي لم يكتمل والذاكرةَ التي لا تموت.
فقلتُ لنفسي:
“أنا الزوالُ المقيم،
أنا الخلودُ المتحوّل،
أنا الدربُ الذي يسيرُ بنفسه إلى مجهولٍ يعرفه.”
وحين صمتَ الكون، سمعتُ في أعماقي نبوءةً كأنها رجعُ البدء:
“الرحلةُ لم تبدأ بعد، يا عابرَ الأزمنة،
فكلُّ وصولٍ هو نسيانُ نقطةِ البدء.”
ابتسمتُ، ومضيتُ في الطريق الذي لا نهايةَ له،
أعلمُ أن التيهَ هو الطريق، وأن النورَ — مهما احترق — لا ينطفئ في الأرواح التي عرفتْ معناها.
