السينما الواقعية العربية… بين المرايا المكسورة وتجربة مرزاق علواش–
بقلم الصحفي والفنان بوبكر بلعيد/
حين تتحوّل الصورة إلى وعي–

في زمنٍ أصبحت فيه الصورة تسبق الفكرة، والسطحيات تُغطي العمق، تظلّ السينما الواقعية العربية واحدة من آخر الحصون التي تدافع عن الوعي الجمعي وتعيد للفن دوره كمرآة للمجتمع لا كزخرفٍ له. هي سينما لا تبحث عن الإبهار البصري، بل تنقّب في تفاصيل الإنسان العربي: خوفه، حلمه، صمته، وتمرّده.
ومن بين الأسماء التي جسّدت هذا التوجّه بحرفية وإصرار، يبرز المخرج الجزائري مرزاق علواش كأحد روّاد الواقعية الجديدة في السينما العربية، ذلك الذي جعل الكاميرا شاهدة لا حاكمة، وحوّل سرد الواقع إلى فعل مقاومة ضد النسيان والتزييف.
مرزاق علواش… الحرفي الذي صنع الوعي بالصورة
منذ بداياته في ستينيات القرن الماضي، لم يكن علواش مجرد مخرج يتقن أدوات الصورة، بل كان – وما يزال – حرفيًا في صناعة الوعي البصري. انطلق من مقال صحفي بسيط عن فتح معهد السينما في العاصمة، ليحوّل فضوله المهني إلى مشروع حياة كاملة.
في كل فيلم من أفلامه، نلمس مبدأً أساسيًا: الواقعية ليست أسلوبًا فقط، بل موقف فكري وأخلاقي من العالم. لذلك ظلّ يختار نصوصه بعناية، ويبني شخصياته من نبض الشارع الجزائري، لا من خيال برج عاجي.
يقول علواش: «أعتبر نفسي حرفيًّا في السينما، أعمل على النصوص والشخصيات والأماكن قبل التفكير في الجمهور». هذه العبارة تختصر فلسفة الرجل في الفنّ؛ فهو لا يصنع أفلامًا لإرضاء المتلقي، بل لإيقاظه.
من “عمر قاتلاتو” إلى “التائب”… واقعية بلا مكياج
في فيلمه الأشهر “عمر قاتلاتو”، كسر علواش حاجز الصمت بين السينما والواقع الشعبي، وأعاد للمدينة الجزائرية نَفَسها الحقيقي على الشاشة. كان أول فيلم يجرؤ على الابتعاد عن سرديات الثورة ليحكي يوميات الشباب بلغة بسيطة ومرّة في آن، حيث تحوّل البطل إلى مرآة جيلٍ يبحث عن ذاته بين قيود التقاليد وضياع الحلم الجماعي.
السينما الواقعية عند علواش ليست كاميرا تراقب، بل عين تفكّك المجتمع وتعيد تركيبه من الداخل. هي سينما بلا مكياج، تلتقط الشارع بصوته الحقيقي، ترفض الزوايا المزخرفة والإضاءة المضلّلة، لأن الصدق البصري عنده هو الذي يمنح الصورة قوتها لا التقنيات.
أفلامه اللاحقة مثل “الرجل الذي كان ينظر إلى النافذة”، “باب الواد سيتي” و*“التائب”* جسّدت هذا المسار الفني، حيث تتقاطع السرديات الفردية مع الأسئلة الكبرى للهوية والحرية والذاكرة
الواقعية… فعل تحرّر عربي
تجربة علواش لا يمكن فصلها عن السياق العربي العام، حيث يلتقي مع مخرجين كبار أمثال يوسف شاهين ورشيد مشهراوي في الإيمان بأن الواقعية ليست مجرد تقنية بل فعل تحرّر. فالسينما، كما يؤكد هؤلاء، لا تكتمل إلا عندما تصبح مرآة مكسورة تعكس تناقضات المجتمع وتفكّك أقنعته.
ومع تصاعد التحوّلات السياسية والاجتماعية في العالم العربي، استعادت الواقعية حضورها كضرورة فنية وثقافية أمام طوفان الصورة السطحية و”المحتوى السريع” الذي يختزل الإنسان في اللقطة لا في الفكرة.الفنّ كمسؤولية لا كترف
إنّ تجربة مرزاق علواش، الممتدة بين الجزائر وفرنسا والعالم، ليست مجرد مسيرة فنية، بل رحلة وعيٍ إنساني. لقد حوّل السينما إلى وثيقة وجود، تلتقط نبض الشارع الجزائري وتعيد صياغته بلغة عالمية دون أن تفقد انتماءها المحلي.
من خلال واقعيته المتفرّدة، قدّم علواش للسينما العربية درسًا في الصدق والبساطة والجرأة، مؤكّدًا أن الفيلم الحقيقي هو ذاك الذي يولد من سؤال إنساني لا من رغبة في الشهرة.
وفي زمن الاستعراض، تظلّ سينما مرزاق علواش تذكيرًا بأنّ الفنّ ليس ترفًا بل مسؤولية، وأنّ الواقعية ليست عودة إلى الماضي، بل محاولة لفهم الحاضر كما هو، بوجعه وجماله، بصوته الصادق الذي لا يخشى أن يقول الحقيقة ولو على حساب الصورة المثالية.
