من دوار الشاوية إلى الملكة الأخيرة… رحلة فنان لا يعرف التوقف
بقلم بوبكر بلعيد/

> «المسرح تنفّس خارج عجلة الحياة… طيرانٌ دون أجنحة.»
الفنان الجزائري محمد طاهر زاوي.
من مقاعد الدراسة إلى أضواء الركح
في قلب الشرق الجزائري، من ولاية باتنة، وُلدت شرارة الفن في وجدان محمد طاهر زاوي. أول وقوف له على الخشبة كان طفوليًا، في مسرحية مدرسية بسيطة، لكنّ البدايات الحقيقية تشكّلت في المرحلة الثانوية، حين كان يتردّد إلى تدريبات فرقة المسرح دون أن يشارك.
غير أنّ أستاذ الرياضيات عبد القادر محاملية، المشرف على الفرقة، التقط موهبته الصامتة ودعاه للانضمام رسميًا. كانت تلك اللحظة، كما يصفها زاوي، «المنعطف الذي فتح أمامي طريق الحلم».
المسرح… مدرسته الأولى
لم يدرس زاوي الفن أكاديميًا، لكنه كوّن نفسه في الميدان، عبر الورش والتربصات، وأهمّ من ذلك عبر التجربة الحيّة.
يقول بثقة: «المسرح هو المدرسة التي تدرّب الممثل على الصدق، على تحليل الشخصية والبحث في أعماقها. من لا يمرّ على الركح لا يمكن أن يتقن الكاميرا.»
من جمعية “آفاق للفنون الدرامية” بباتنة، صنع لنفسه مكانًا في المشهد المسرحي، قبل أن تأتي شخصية “شيتة” في مسرحية “الطيحة” لتكون نقطة تحوّل كبرى في مساره.
بين الركح والكاميرا
عام 2004 كانت أولى خطواته التلفزيونية في مسلسل «دوار الشاوية» للمخرجة جميلة عراس. تجربة يعتبرها بوابة العبور إلى جمهور أوسع، وفرصة لاكتشاف اختلاف الأداء بين المسرح والكاميرا:
> «في المسرح تبالغ في التعبير لتصل إلى آخر مقعد في القاعة، أما أمام الكاميرا، فعليك أن تكون أكثر هدوءًا… أكثر صدقًا.»
من هناك، تتابعت أعماله بين السينما والتلفزيون: «الملكة الأخيرة»، «أحمد باي»، «ابن باديس»، «مشاعر 2»، «قلوب تحت الرماد»، و*«يما 3»*. أسماء رسّخت حضوره، وعرّفته بالجمهور الذي وجد فيه ممثلاً صادقًا يتقن التحوّل بين الأدوار.
الفنان والإنسان
بعيدًا عن الأضواء، يعيش محمد طاهر زاوي حياةً مزدوجة في توازنٍ نادر: فهو أب وزوج ومهندس في مجال الحركة الجوية.
> «حين لا أكون على الركح أو أمام الكاميرا، أعود إلى حياتي العادية بين مهنتي وعائلتي وأصدقائي. الفن جزء من حياتي وليس كلّها.»
زاوي لا يتعامل مع الشهرة كغاية، بل كمسؤولية: «أن تكون معروفًا يعني أن تكون أكثر حذرًا، لأنك تمثل الفن أمام الناس.»
موقفه من الفن والواقع
الفن عند زاوي التزام قبل أن يكون ترفيهًا، ورسالة قبل أن يكون مهنة. لذلك لا يخفي قلقه من واقع الإنتاج الفني:
> «هبوط مستوى الفن اليوم سببه غياب منظومة نقدية حقيقية، فالنقد هو الذي يصنع الوعي ويرفع الذائقة.»
ومع ذلك، يظلّ مؤمنًا بدور الفن في التغيير الاجتماعي والسياسي، بوصفه مرآة المجتمع ولسانه.
الحلم المستمر
حين سُئل عن الشخصية التي يحلم بتجسيدها، أجاب ببساطة عميقة:
> «أريد شخصية تخرج كل ما في داخلي… مكتوبة بصدق، وتحمل مسارًا دراميًا عميقًا.»
أما رسالته للأجيال الجديدة، فتختصر فلسفته الفنية كلها:
> «لا تجعلوا الشهرة هدفًا… الرغبة وحدها لا تكفي، الحبّ الحقيقي للفن هو الذي يصنع الفنان.»
خاتمة
من دوار الشاوية إلى الملكة الأخيرة، يمضي محمد طاهر زاوي في رحلته دون توقف، يحمل في يده حقيبة من الأحلام وفي قلبه إيمان بأن الفنّ ليس مهنة، بل طريقة في العيش.
فحين يقف على الركح، لا يُمثّل… بل يُحيا، كما لو أنّ المسرح وطنٌ آخر يسكنه لا يغادره أبدًا.
محمد طاهر زاوي، ممثل جزائري من ولاية باتنة، شارك في أعمال مسرحية وتلفزيونية وسينمائية، مهندس في مجال الحركة الجوية، ويُعتبر من الوجوه البارزة في الدراما الجزائرية المعاصرة.
