قراءة فلسفية في اللوحة الفنية للفنان خليفة عبد السلام

الجدار كأنطولوجيا للذاكرة المكبوتة

لم أ-د كمال لعرابي/

لوحة فنية للفنان التشكيلي خلفية عبدالسلام/ أقبية الحلكة



كيف يتحول السطح المادي إلى ميتافيزيقا الغياب على غلاف رواية “أقبية الحلكة” لخليفة عبد السلام، نواجه تجليا بصريا لما يمكن تسميته “فينومينولوجيا الأثر”: جدار متآكل يحمل على سطحه وجوها شبحية، كائنات بصرية في حالة وسطى بين الحضور والغياب، بين الكينونة واللاكينونة. هذا الجدار ليس مجرد كائن مادي في العالم، بل هو استعارة أنطولوجية للوجود الإنساني في زمن الكارثة، حيث الذات لم تعد كيانا متماسكا بل طبقات متراكمة من الصدمات والذكريات المكبوتة.
الوجوه التي تظهر من تحت طبقات الطلاء المتقشرة تطرح سؤالا فلسفيا جوهريا: ما معنى أن تكون موجودا دون أن تكون حاضرا؟ هذه الوجوه في حالة من “الوجود الشبحي”، ما يسميه دريدا “hauntology” – ليست موجودة تماما وليست غائبة تماما، بل تسكن المنطقة الرمادية بين الحياة والموت، بين الذاكرة والنسيان. إنها تجسيد بصري لما لا يمكن محوه لكن لا يمكن استحضاره بوضوح أيضا.
عنوان اللوحة التجريدية “أقبية الحلكة” يؤسس لجغرافيا وجودية: الأقبية كمكان لما هو مكبوت، والحلكة كحالة معرفية. في الفلسفة الوجودية، الظلام ليس مجرد غياب للنور بل هو حالة أنطولوجية خاصة، فضاء حيث تتعطل آليات الإدراك العادية وتنكشف الحقائق المخيفة. الأقبية المظلمة هي استعارة للاوعي الجمعي، للمساحة النفسية حيث تختبئ الصدمات التاريخية الكبرى في انتظار لحظة العودة.
فما علاقة الطبقات المتقشرة بالزمن الفينومينولوجي؟
تقدم الطبقات المتعددة من الطلاء على الجدار نموذجا بصريا لما يسميه هوسرل “الوعي الزمني الداخلي”. الزمن ليس خطا مستقيما من الماضي إلى المستقبل، بل هو تراكم من الآنات، كل آن يحمل في طياته آثار الآنات السابقة. الجدار المتقشر يجسد هذه الفكرة ماديا: كل طبقة طلاء تمثل محاولة لإخفاء ما قبلها، لكن التقشر يكشف أن الماضي لا يختفي أبدا، بل يبقى كامنا تحت السطح، جاهزا للظهور في أي لحظة ضعف.
فهذا التقشر ليس مجرد ظاهرة طبيعية بل هو حدث فلسفي: إنه لحظة انكشاف الحقيقة، ما يسميه هايدغر “aletheia” – الحقيقة كعملية كشف لما كان مخفيا. الوجوه التي تظهر من تحت الطبقات هي حقائق تاريخية ترفض أن تبقى مدفونة، ذكريات تتمرد على النسيان المفروض عليها، أصوات صامتة تطالب بأن تسمع.
الملمس الخشن للجدار يخلق ما يمكن تسميته “هابتيكا الألم” – إدراك حسي للمعاناة من خلال اللمس المتخيل. عندما ننظر إلى هذا السطح الخشن، نحن لا نراه فقط بل نشعر به، نتخيل خشونته تحت أصابعنا. هذه الحسية المادية تحول المعاناة التاريخية المجردة إلى تجربة جسدية، تجعل الألم الجماعي ملموسا ومحسوسا. الفلسفة هنا تتجسد، والتجريد يصبح مادة.
فكيف تعمل الشبحية كنمط وجودي؟ تطرح الوجوه الشبحية على اللوحة التجريدية مشكلة فلسفية عميقة حول طبيعة الوجود بعد الكارثة. في فلسفة دريدا عن “الطيفية” (spectrality)، الشبح ليس الميت الذي عاد بل هو من لم يمت موتا كاملا ولم يعش حياة كاملة. إنه كائن في حالة تعليق أنطولوجي، موجود في منطقة وسطى بين العوالم. الوجوه على هذا الجدار شبحية بهذا المعنى الدقيق: إنها لا تنتمي تماما إلى الماضي ولا إلى الحاضر، بل تسكن فضاء ثالثا هو فضاء الذاكرة الصادمة.
غموض الملامح ليس عيبا تقنيا بل ضرورة أنطولوجية. الوضوح الكامل يعني التحديد الكامل، والتحديد يعني الموت النهائي. الغموض يحافظ على حالة من الإمكانية المفتوحة، على احتمالية العودة. هذه الوجوه غامضة لأنها ما تزال في عملية تشكل، ما تزال تحاول أن تقول شيئا، ما تزال تبحث عن شكلها النهائي. إنها في حالة من “الصيرورة الأبدية”، ما يسميه نيتشه “Eternal Becoming” – ليست كائنات ثابتة بل عمليات مستمرة.
الشبحية أيضا تطرح مسألة المسؤولية الأخلاقية. في فلسفة ليفيناس، وجه الآخر هو ما يستدعي المسؤولية الأخلاقية، ما يطالبنا بالاستجابة. لكن ماذا يحدث عندما يكون الوجه غير واضح، شبحي، متلاش؟ هل تسقط المسؤولية؟ اللوحة التجريدية تقول: لا، بل تصبح المسؤولية أكثر إلحاحا. نحن مطالبون بمحاولة رؤية ما لا يرى بوضوح، بالإصغاء لما لا يسمع، بالتذكر لما يقاوم التذكر.
فما الدلالة الأنطولوجية للأقبية؟ الأقبية في العنوان ليست مجرد أماكن جغرافية بل هي فضاءات وجودية. في الفينومينولوجيا، المكان ليس مجرد إحداثيات موضوعية بل هو “مكان معيش” (lived space)، فضاء مشبع بالمعاني والذكريات والمشاعر. الأقبية كأماكن تحت-أرضية تمثل ما هو تحت-واعي، ما هو مكبوت، ما هو محجوب عن النظر العادي. إنها مساحة اللاوعي الجمعي حيث تتراكم الصدمات التاريخية.
الأقبية أيضا تمثل ما يسميه باشلار في “جماليات المكان” “الأماكن الحميمة المظلمة” – أماكن حيث تتجمع المخاوف والأسرار. لكن على عكس العلية (التي ترمز للطموحات والأحلام)، القبو يرمز للجذور، للأساسات، للماضي المؤسس. النزول إلى الأقبية هو رحلة أركيولوجية في طبقات الذات والمجتمع، حفر في الأساسات للكشف عن ما بني عليه الحاضر.
الحلكة التي تملأ هذه الأقبية ليست مجرد غياب للنور بل هي حضور إيجابي للعتمة. في الميتافيزيقا، الظلام غالبا ما يرتبط بالعدم، لكن في الصوفية وبعض الفلسفات الشرقية، الظلام هو فضاء الإمكانية الخالصة، الرحم الذي تولد منه كل الأشكال. الحلكة في الأقبية هي هذا الظلام الخصب، المليء بالكامنات، بالذكريات التي تنتظر أن تولد من جديد. إنها ليست نهاية بل بداية، ليست موتا بل حملا. فكيف يعمل اللون كفلسفة بصرية؟
الألوان الداكنة المهيمنة على اللوحة التجريدية- الرمادي، الأزرق الغامق، البني – تخلق ما يمكن تسميته “باليت الميلانكوليا”. في نظرية الألوان الفلسفية، كل لون يحمل شحنة وجدانية وميتافيزيقية. الرمادي هو لون الغموض، المنطقة بين الأبيض والأسود، بين اليقين والشك. إنه لون الذاكرة الباهتة، الحقائق التي فقدت وضوحها لكن لم تختف تماما.
الأزرق الغامق يحمل دلالة الحزن الميتافيزيقي، ما يسميه الرومانسيون الألمان “Weltschmerz” – ألم العالم، الحزن الكوني الذي لا سبب محدد له. إنه ليس حزنا شخصيا بل حزنا وجوديا، نابعا من إدراك الفجوة بين المثالي والواقعي، بين ما يمكن أن يكون وما هو كائن فعلا. البني المحروق يحيل إلى الأرض، التراب، الرماد – عناصر الفناء والعودة إلى الأصل.
لكن البقع الزاهية – الأزرق الفاتح، الوردي، الأحمر – تعمل كـ”نقاط الشدة” (points of intensity) في اللوحة الكئيبة. هذه البقع ليست أملا ساذجا بل هي “آثار الحياة”، دلائل على أن الحياة كانت موجودة، على أن الفرح كان ممكنا. إنها مثل الذكريات الساطعة التي تومض في عتمة الحاضر القاتم. وجودها يجعل القتامة أكثر قتامة بالمقارنة، لكنه أيضا يمنع القتامة من أن تصبح مطلقة. هذه البقع تقول: كان هناك شيء آخر، وربما يمكن أن يكون هناك شيء آخر مرة أخرى. ولكن هنا يطرح السؤال: ما معنى التقشر كحدث فلسفي؟
التقشر على سطح الجدار ليس مجرد ظاهرة فيزيائية بل هو “حدث” بالمعنى الفلسفي الذي يعطيه بادو للكلمة – لحظة انقطاع، انكسار في النظام الطبيعي للأشياء، شيء يحدث ويغير كل شيء. التقشر هو لحظة انكشاف الحقيقة المخفية، اللحظة التي تفشل فيها محاولات الإخفاء وتظهر الطبقات السفلية.
في فلسفة التاريخ، هناك مفهوم “عودة المكبوت” – الفكرة أن ما يتم قمعه أو إخفاؤه في التاريخ سيعود حتما، غالبا بطريقة عنيفة أو مشوهة. التقشر على الغلاف يجسد هذه الفكرة بصريا: الماضي المدفون يشق طريقه إلى السطح، الوجوه المخفية تحت طبقات الطلاء تظهر من جديد. لا يمكن إخفاء التاريخ إلى الأبد، الحقيقة لها طريقة عنيدة في الظهور.
التقشر أيضا يمثل ما يسميه بنيامين “التاريخ كصدمة” – التاريخ ليس سردا سلسا بل هو سلسلة من الانقطاعات والكوارث. كل طبقة من الطلاء تمثل محاولة لبدء من جديد، للقول “سننسى ونمضي قدما”، لكن التقشر يكشف أن البدايات الجديدة وهمية، أن الماضي يبقى كامنا تحت السطح. التاريخ ليس خطيا بل طبقيا، والأعمق دائما موجود تحت السطح. فكيف يعيد الغلاف تعريف العلاقة بين الرؤية والمعرفة؟
اللوحة تطرح مشكلة إبستمولوجية: كيف نعرف ما لا يمكن رؤيته بوضوح؟ الوجوه الشبحية تتحدى نموذج المعرفة الكارتيزي القائم على الوضوح والتميز. في الفلسفة الكلاسيكية، الحقيقة واضحة ومميزة (clara et distincta)، لكن هنا الحقيقة غامضة، مشوشة، متعددة الطبقات. هل هذا يعني أنها ليست حقيقة؟ بالعكس، الغلاف يقترح أن بعض الحقائق – خاصة حقائق الصدمة التاريخية – لا يمكن أن تظهر إلا بشكل غامض وجزئي.
في فينومينولوجيا ميرلو-بونتي، الإدراك ليس استقبالا سلبيا لمعطيات واضحة بل هو عملية تأويلية نشطة. نحن نرى دائما أكثر مما هو معطى مباشرة، نملأ الفجوات، نكمل الصورة غير المكتملة. الوجوه الشبحية على اللوحة التجريدية تستدعي هذا النوع من الرؤية النشطة: نحن مطالبون بأن نرى ما ليس واضحا، بأن نتخيل الملامح المخفية، بأن نستحضر الغائب. هذا ليس فشلا في الرؤية بل نمط مختلف من الرؤية، رؤية تعترف بحدودها وتعمل ضمن هذه الحدود.
اللوحة أيضا تطرح مسألة “النظرة” بالمعنى السارتري. في فلسفة سارتر، النظرة هي ما تحول الآخر إلى موضوع، ما تجمده في هوية محددة. لكن الوجوه الشبحية على الغلاف تقاوم هذا التشييء، ترفض أن تكون موضوعات واضحة للنظرة. غموضها هو شكل من أشكال المقاومة، رفض للتحديد النهائي. إنها تنظر إلينا بقدر ما ننظر إليها، تسائلنا بقدر ما نسائلها.
ما الدلالة الأخلاقية والسياسية لهذه الجماليات؟
الخيارات الجمالية في هذه اللوحة ليست محايدة بل تحمل موقفا أخلاقيا وسياسيا واضحا. رفض الوضوح، الإصرار على الغموض والشبحية، هو موقف ضد الروايات التاريخية الرسمية الواضحة والمحددة. في السياسات الرسمية للذاكرة، الدولة تريد سردا واضحا: هؤلاء أبطال، وأولئك خونة، هذا ما حدث بالضبط. اللوحة تقول: لا، التاريخ أكثر تعقيدا، الذاكرة أكثر ضبابية، الحقيقة متعددة الطبقات ومتناقضة.
الوجوه الشبحية تمثل من تم إقصاؤهم من السرد الرسمي، من لم تحفظ الذاكرة الجماعية أسماءهم، من أصبحوا “مجهولين”. لكن ظهورهم – حتى بشكل شبحي – هو فعل مقاومة. إنه يقول: نحن هنا، لم ننس، لن نختفي. الشبحية ليست ضعفا بل قوة، قدرة على العودة، على مطاردة الحاضر، على إزعاج راحة الناسين.
اختيار اللوحة من إبداع الفنان(خليفة عبد السلام) يضيف بعدا ميتا-فنيا. الكاتب/الرسام يجمع بين الكلمة والصورة، بين السرد اللغوي والسرد البصري. هذا يعكس فكرة أن الذاكرة الصادمة لا يمكن التعبير عنها بوسيط واحد فقط. اللغة وحدها لا تكفي، الصورة وحدها لا تكفي. نحتاج إلى تضافر الوسائط، إلى نهج متعدد الأشكال، لمقاربة ما لا يمكن قوله أو تصويره بشكل كامل. وهنا نتساءل: كيف للوحة أن تعمل كفضاء للحوار الفينومينولوجي؟
اللوحة ليست سطحا مغلقا بل فضاء حواريا. في فلسفة غادامر الهرمنيوطيقية، الفهم دائما حواري، دائما يتضمن “اندماج آفاق” بين النص والقارئ. الغلاف يفتح هذا الحوار بصريا: الوجوه الشبحية تنظر إلينا، نحن ننظر إليها، وفي هذا التبادل البصري يحدث شيء ما – لقاء، اعتراف، التزام.
الخشونة المادية للسطح تدعونا للمس، للتحسس، للتفاعل الجسدي. هذا ليس رسما تجريدي نكتفي بالنظر إليه من مسافة بل لوحة تطالبنا بالاقتراب، بالمشاركة، بالتورط. في الفينومينولوجيا، المعرفة ليست فقط عقلية بل جسدية، حسية، عاطفية. اللوحة تستدعي هذا النوع من المعرفة الكاملة – نرى، نتخيل أننا نلمس، نشعر بالانزعاج، بالفضول، بالحزن.
الطبقات المتعددة تدعونا لعملية “قراءة عمودية” – قراءة لا تمر أفقيا على السطح بل تنزل عموديا عبر الطبقات. هذا نموذج لنوع القراءة التي تطلبها الرواية نفسها: قراءة أركيولوجية، تحفر في طبقات النص، تبحث عن المخفي تحت الظاهر، تحاول استخراج الأصوات المكتومة من تحت الكلمات.
في النهاية، اللوحة التجريدية “أقبية الحلكة” ليست مجرد تصميم جمالي بل هو “بيان فلسفي بصري” حول الذاكرة، التاريخ، الهوية، والصدمة. إنها تقترح أن بعض الحقائق لا يمكن قولها بوضوح بل يجب أن تظهر بشكل غامض، شبحي، متعدد الطبقات. إنه يدعونا لنوع مختلف من المعرفة، معرفة تقبل الغموض، تعترف بالحدود، وتظل مع ذلك ملتزمة بمحاولة الفهم، بمحاولة التذكر، بمحاولة رؤية الوجوه الشبحية التي تطل من جدران التاريخ المتآكلة.