من العدد 33/ تراشقات…-
بقلم إبراهيم جزار/

يوما بعد يوم تتوطد في ساحة الثقافة العربية ظاهرة المناكفات بين ممتهني الثقافة والفنون، لا لغرض إلا لحب الظهور وتصفية الحسابات البينية، بعيدا عن قضايا الأمة والمجتمع الحقيقية التي تعصف بالوجود العربي وتطرح تساؤلات جوهرية لم يتساءل عنها هؤلاء، بل ظلوا منغمسين في التصنيفات والمعارك الهامشية.
ولم يجانب فريق من المتابعين الصواب حين وصفوا أشباه مثقفي البلدان العربية بـ”الضرائر” في علاقتهم بالسلطة والامتيازات، في حين يبدو أن جوهر القضايا في مؤخرة الاهتمامات، أو يتناوله هؤلاء على شطط، ملتحقين برعاع السياسة والأحزاب والتكتلات التي لا تعرف من المواقف سوى حصاد المنافع.
وفي خضم هذا التراشق المنحط في كثير من مناحيه داخل المشهد الثقافي العربي الحالي، لا يسعنا القول إلا إن ما نلحظه اليوم هو استمرار في التدهور القيمي والفكري واللغوي، وفسخ متعمد لما تبقى من الذائقة الجماهيرية. ولعل أبرز مكامن العلة والداء في هذا الوضع هو ما أشير إليه سابقا من نفاق من يحسبون على الثقافة وتملقهم المستمر لأصحاب السمو والمعالي والكراسي؛ فالثقافة، قبل أن تكون إنتاجا، هي في الأساس التزام أخلاقي، و”فاقد الشيء لا يعطيه”.
لم يعد القارئ العربي اليوم يحتمي بعقله من هذا الخبل إلا بكتابات مستقلة محدودة لبعض المثقفين الحقيقيين الذين يكنون لذواتهم وأقلامهم احتراما يصون الذات والمجتمع. وعلى الرغم من التضييق، بل وحتى النفي القسري، فإن آراء وإنتاجات البعيدين عن تراشقات الأغبياء بقيت الأجود في الساحة وستبقى بقاء قصائد المتنبي وفناء منافسيه الذين أعرض هو والتاريخ عن ذكرهم.
فهل من معتبر؟
