من العدد 33/ مثقفون بالوكالة!-
بقلم خليفة عبدالسلام /

هل فعلاً نحن من يختار كُتبنا بحرية؟ أم أن ذوقنا القرائي ليس سوى إفراز لمنظومة تتحكم بمصيرنا لتقرر مسبقاً مايجب أن نقرأ ؟!
سؤال يزداد إلحاحاً في زمنٍ سيدته فوضى محكمة التأطير وتحكمه الحملات الدعائية، الجوائز الأدبية وكواليسها، ونقاد يستحوذون على سلطة التزكية، و” المؤثرون” الذين يصنعون الترند الثقافي بكبسة زر الهاتف
اليوم، وحين يدخل القارئ إلى المكتبة، يظن أنه أمام بحر من الخيارات، إلا أنه في واقعه يسبح داخل تيارٍ موجه بعناية.
فالكتب التي تستقبله أولاً قد حجزت مكانها بالواجهة ولم تكن في هذا الموقع على سبيل صدفة أو ضربة حظٍ، في حقيقتها هي نتاج اتفاقيات تسويقية بين طرفين- الناشرين وأرباب المكتبات، وحتى العناوين التي تتكرر على صفحات المواقع غالباً ما تقف وراءها حملات مدفوعة هدفها خلق وهمٍ في اللاوعي وتأسيس قناعة في ذهنه – أن الجميع يقرأ الكتاب ذاته، فتدفع القارئ لينضم إلى ” القطيع الثقافي”
كذلك تلعب وسائل الإعلام دوراً حاسماً من جهة أخرى في إعادة تشكيل ذائقة الجمهور
تقرير تلفزيوني، أو مقال في صحيفة ذات سيط تتمتع بالشهرة أو حتى توصية في برنامج صباحي كفيلة بتحويل كتاب عادي إلى ” ظاهرة أدبية”. وتغلف العملية بخطاب ثقافي أنيق عن” أهمية القراءة” لكنها في العمق عملية توجيه تجارية تحركها المصالح أكثر من القيم الفكرية
وعلى جانب آخر يصنع الذوق ” المؤثرون” الوجه الجديد للدعاية، لم يعد الإعلان المباشر فعالاً كالسابق، لذلك انتقل التسويق إلى- المؤثرين القرائين- فيكفي أن يظهر أحدهم في فيديو مؤثر، يتحدث عن كتاب أبكاه أو غيَر حياته، مستغلاً عاطفة متابعيه ليقنع مئات الألاف بتجربته مرتكزاً على جهل القارئ الذي لا يعلم أن أغلب هذه التوصيات إعلانات مقنّعة بعاطفة زائفة، ومنه يتحول الذوق الفردي إلى نتيجة خوارزمية، لا إلى حر نابع من رغبة حقيقية في المعرفة
ويأتي كذلك دور الجوائز الأدبية، التي أخذت حصة الأسد من خلال التأثير المقنن وأصبحت أداة توجيه أخرى، فعلى إثر اختيار أسماء معينة أو تكرار نشر كتب من التيار الفكري نفسه، تُرسم حدود الذوق المقبول والمُستحب، بينما يُقصى ماهو مختلف أو متمرد
وبالمقابل يأتي دور النقد الذي بات خدمة ترويجية أكثر منه عملية أكادمية تعتمد على البحث عن العمق، فيتوجه إلى ماتم اختياره وتكريمه بجوائز فيضع عليه ختمه مستغلاً المصطلح والاختصاص، ليزكي ويبارك الكتاب فيأكد من خلال منزلته مواقفه، ويتحول من البحث والاكتشاف المرتبط بالقيمة إلى شريك في عملية الترويج والتوجيه وصناعة الذوق
ويتأثر طبعا القارئ بدوره بتلك “الشرعية الرسمية” فيشتري ما يكافأ عليه إعلاميا، لا ما يحرك فكره فعلياً
الذوق الحر يحتاج إلى وعي، فالقراءة الحرة لا تعني العزلة عن العالم، بل الوعي بما يوجه اختياراتنا
ويكفي أن نطرح على أنفسنا السؤال:
– لماذا يروج لهذا الكتاب؟ ومن سيربح من قراءتي له ؟!
حين نبدأ في تقديم المساءلة، نستعيد قدرتنا على اختيار ما نقرأ، لا ما يراد لنا أن نقرأ
فنحن مابين الحرية والتأثير
الحقيقة أننا قاب قوسين- ذوقنا الشخصي من جهة وآلة التوجيه الثقافي من جهة أخرى-
لن نستطيع الهروب من التأثير تماماً، لكن يمكننا أن نكون قراء واعين نميز بين الذوق الحقيقي وآخر مصنوع
ففي النهاية، أخطر أنواع التبعية ليست السياسية أو الإقتصادية …بل الثقافية، حين نقرأ ما اختاروه لنا ونظن أننا اخترنا بأنفسنا!
ومن هنا يمكننا البدأ من الحكمة التي نطقت بها الفلسفة أين قالت :” انتق وأقرأ”
