أصداء الذاكرة في سجن الوجود–
بقلم عبد العالي لعجايلية/

حين يغدو الوعي مرآةً لوجودٍ يتقاطع فيه الزمن والعدم، تصبح الذاكرة مسرحًا لرحلةٍ كونيةٍ بين النار والنور، بين الجسد والروح، بين الإنسان وسرّه القديم.
تتكئ على أطلال الذاكرة المتلاشية، كأنها مدينة نُكبت مرارًا ونجت مرارًا دون أن تبرأ من رمادها. تتهادى بين لحظاتٍ تشبه السراب، وأخرى تتقد كجمرٍ في صدرها. الزمن يسيل من بين أصابعها كالرمل، يترك أثره في كل مسامّ، في كل فكرة، في كل خفقة قلبٍ كانت يومًا تضجّ بالحياة. لم يعد للوقت ملامح واضحة؛ إنه كائن متقلّب، مراوغ، يتبدّل مظهره كلما حاولت القبض عليه.
كل لحظةٍ تمضي تتآكل بين حوافر الزمن، كأن عقارب الساعة لا تدور بل تنهش الذاكرة نهشًا بطيئًا. جسدها الذي يجرّها إلى الأمام ليس سوى وعاءٍ هشّ يحتضن أصداء العصور التي عبرتها. على وجهها نقش الزمن خرائط غير مرئية، كل تجعيدة فيه تحكي ملحمة، وكل ظلٍّ تحت العين يروي عن ليلٍ ساهرٍ بين الشكّ والإيمان، بين الأمل والخذلان، بين الوجود والعدم.
في مرآة المساء، كانت تتأمل ملامحها فلا ترى وجهًا، بل سردية طويلة محفورة على جلد الذاكرة. وجهها صار سجلًّا لكفاح الذات ضد تيهها، ضد الريح التي أرادت اقتلاعها من جذور معناها. ترى في التجاعيد أوديةً جافة كانت تسيل فيها أحلامها، وفي بياض الشعر رماد أفكارٍ احترقت وهي تحاول أن تفهم سرّ الحياة.
الليل يهبط ببطء كستارةٍ من رمادٍ على المسرح الأخير من وجودها، فتتجه نحو الموقد الذي صار محرابًا لصمتها. هناك، أمام النار التي تتوهّج كقلبٍ يرفض الموت، تجلس لتستعيد حوارها الأزلي مع نفسها. لم تكن النار مجرّد دفءٍ للجسد، بل معراجًا للوعي، تذكّرها بأن الضوء لا يُولد إلا من احتراقٍ ما. تحرّك الجمرات بعصاها، كمن يحاول إحياء ذاكرةٍ مطموسة في رماد الوقت، وكل شرارةٍ تنبثق من الجمر تشبه فكرةً تهرب من ظلام العقل نحو ضوء الكشف.
وكأن الذاكرة ليست من صنع الإنسان، بل هي ذاكرة الكون نفسه وقد تسربت إليه في هيئة وعي. فكل ذكرى ليست ملكًا شخصيًا، بل موجة من بحرٍ كونيٍّ أكبر، تعود إلينا لتذكّرنا بأننا جزء من سردٍ أزليٍّ لا يكتبه أحد، بل يُكتَب بنا. الزمن ليس ما يمرّ، بل ما يكشف، وما يُخفي في آنٍ واحد.
الشتاء في الخارج يزمجر، لكنه في داخلها أكثر قسوة. فالبرودة ليست في الهواء، بل في صميم الوعي الذي جفّ تحت وطأة السؤال. كانت تشعر أن البرد الحقيقي هو برد الروح حين تنفصل عن جذوتها الأولى. وفي تلك العزلة العميقة، يبدأ حوارها الداخلي يتخذ شكلًا أنطولوجيًا حادًا:
هل كان الجسد سجنًا للروح أم كان مركبها نحو اللانهاية؟
أهو قيدٌ أم قنطرة؟
هل الوعي محبوس في اللحم أم متجلٍّ فيه كما يتجلّى الضوء في الزجاج؟
تتأمل هذا الصراع الذي شطرها بين قطبين: المادي الذي يفنى، والروحي الذي يتوق إلى البقاء. تدرك أن الثنائية ليست خصومة، بل جدلية تُبقي الوجود حيًا. فما كان للروح أن تعرف ذاتها لولا انحباسها في حدود الجسد، كما لا تُعرف الحرية إلا حين تُلامس جدران السجن.
تمد يدها نحو كتابها العتيق، ذلك الذي صار امتدادًا عتيقا لذاكرتها. أوراقه صفراء كأوراق الخريف، لكنّها تفوح منها رائحة الفكر، رائحة التجربة، رائحة الإنسان وهو يصارع أسئلة الخلق والعدم. تقرأ لتجد نفسها بين السطور، كأن الكتاب يقرأها أكثر مما تقرأه. كل جملة فيه مرآة لرحلتها، وكل مفهومٍ شظية من وعيٍ قديمٍ أُعيد تركيبه على مهل.
حين وصلت إلى الصفحة البيضاء، توقفت. لم تكن خالية لأنها لم تُكتب بعد، بل لأنها تحمل كلّ الإمكانات التي لم تتحقق بعد. في هذا البياض ترى رمزية الحياة ذاتها: مساحة مفتوحة على الوجود، تنتظر توقيع التجربة البشرية عليها. البياض هنا ليس فراغًا، بل امتلاءٌ خفيّ، كحبلٍ يربط بين ما كان وما سيكون. تتنفس عمق الصمت في تلك الصفحة، وتفهم أن المعنى لا يُخلق بالكلمات، بل بالصمت الذي يسبقها.
وفجأة، رأت طيفها القديم واقفًا في زاوية الغرفة، ينظر إليها بعينٍ تشبهها. لم يكن شبحًا، بل ذاكرةً متجسّدة، سألها بصوتٍ يشبه الريح:
«هل تحررتِ مني، أم مني انبعثتِ من جديد؟»
لم تُجب، فاكتفت بابتسامةٍ مبللةٍ بالنور، فتبخّر الطيف كدخانٍ من رماد الذات، تاركًا خلفه رائحة الوعي حين يُحرق قشرته القديمة.
تغلق الكتاب ببطء، وتستند إلى كرسيّها كمن أنهكه الدهر وأخصب وعيه في آنٍ واحد. في تلك اللحظة تشعر أن كل ما مرّ بها لم يكن عبثًا. أن الألم كان المعلّم الأصدق، وأن الخسارات ليست إلا أبوابًا نحو فهمٍ أوسع. تدرك أن الذاكرة ليست مجرد خزانٍ لما كان، بل هي مسرح الوجود ذاته؛ فيها يتكرر الماضي ليُعيد تشكيل الحاضر، وفيها تنعكس أصوات ما لم يُعش بعد.
وحين يهدأ كل شيء، تسمع داخلها همسًا دافئًا يشبه الوحي:
“الصفحة البيضاء هي أنتِ، والجمر المتقد هو وعيك، والرماد الذي تخشينه هو ما يتبقى من وهمك حين تصيرين حقيقة.”
حينها فقط، يتهادى الصمت كسلامٍ داخلي، وتدرك أن السجن لم يكن إلا وهم الإدراك، وأن الجسد لم يكن خصمًا بل رفيقًا في الرحلة. فكل ما هو ماديّ قابل للعبور، وكل ما هو روحيّ يحتاج جسدًا ليُعلن وجوده.
تنهض ببطء، كمن خفّ عنه ثقل الزمان. تفتح النافذة على فجرٍ رماديّ، يوشك أن يتحول إلى ضوء. تسمع هدير الريح كأغنية وجودية تذكّرها بأن الكون في حركة دائمة، وأن كل ما يتجمّد يموت. في هذا الوعي الجديد، تشعر أنها خرجت من دائرة الزمن إلى ما وراءه، حيث لا بداية ولا نهاية، بل انسيابٌ أبديّ للكينونة.
تبتسم، لا لأن شيئًا تغيّر في الخارج، بل لأنها تغيّرت في الداخل. تفهم أخيرًا أن الذاكرة ليست سجنًا، بل مرآة تُعيد صقل الوعي في كل مرة ينكسر فيها. وأن الحياة، مهما اتسعت تناقضاتها، ليست سوى تمرينٍ طويل على فهم الجمال الكامن في العدم.
وفي اللحظة التي يلتقي فيها رماد الأمس بنور الفجر، تكتشف أن كل ما ظنّته نهاية لم يكن سوى عتبة جديدة للوجود — حيث تتصالح الروح مع قيودها، والجسد مع ضعفه، والإنسان مع سرّ رحلته.
هكذا، تغدو أصداء الذاكرة أناشيد للوعي وقد تحرّر من خوفه الأول، لتبدأ الرحلة الحقيقية:
رحلة العودة إلى النور الذي كان منذ البدء يسكنها، لكنها كانت تبحث عنه في الخارج.
ففهمت أن الذاكرة ليست ما يُروى عنّا، بل ما يتبقى فينا من النور حين تنطفئ الحكاية.
وأن الوجود، في جوهره، ليس إلا ذاكرة الله حين يتذكّر نفسه فينا.
______________
