وما آفة الأخبار إلا رواتُها–
بقلم أسامة عكاشة/

فأدركتُ — بعد طولِ تردادٍ بين المروياتِ واختلافِ السُّقاةِ على موردِ المعنى — أنّ الحقيقةَ لا تُؤخذُ من أفواهِ الرُّواةِ، إذ هي إذا جاوزت شغافَ القلبِ الأوّل تقمَّصت أهواءَ الناقلين، وتلوَّنت بلونِ ما في صدورِهم من ظنونٍ وأوهام. فهي في الأصلِ جوهرٌ صلدٌ، لكنّها إذا جرت في أنهارِ الألسنةِ تفتّتت كالصوّانِ تحتَ سنابكِ الكلام، وامّحت ملامحُها بينَ صليلِ الحروفِ وضوضاءِ التأويل.
وما أصدقَ ما يُقال: إنّ الرواةَ لا ينقلونَ الوقائعَ، بل ينقلونَ أنفسَهم فيها؛ يروونَ بأمزجتِهم قبلَ ألسنتِهم، ويُفصِحونَ عمّا فيهم لا عمّا في الحادثةِ ذاتِها. فتصيرُ الحقيقةُ عندهم كمرآةٍ عتيقةٍ خَدِشَتْها السُّنونُ، تُريكَ الملامحَ ولا تُريكَ المَهيع، وتُقرِّبُ الزيفَ من الصدقِ كما تتعانقُ الظلالُ في المَساء.
إنّ الذاكرةَ لا تحفظُ الأشياءَ على بياضِها الأوّل، بل تكسوها بما فيها من غبارِ الشوقِ والرهبةِ والندم. والعاطفةُ كريحٍ تهبُّ على وجهِ الحدثِ فتُرجِفُه أو تُسكنُه، والعقلُ يُهذّبُ ما يوجِعه ويُعقِّمُ ما يُربكه، حتى تغدو الحقيقةُ — في نهايةِ المطاف — كجسدٍ مرّ على أيدي الغاسلين: نُزِعَت عنه أثوابُهُ، وغُيّرَ وجهُهُ، ونامَتْ ملامحُهُ في كفنٍ من ظنون.
فكيفَ يُطلَبُ وجهُ الحقيقةِ من بينِ شظايا الروايةِ، والرواةُ أنفسُهم مرايا مكسورة؟ إنّها كالنورِ في جوفِ البلّور، لا يُدركُ صفاءُه إلا من نظرَ إليهِ من موضعٍ لم تبللهُ يدُ بشر.
