نقوش أبدية
من سلسلة -نقوش أبدية – «عين البحر»
بقلم عبد العالي لعجايلية/

في يومٍ كان يشبه اللازمن، خرجتُ من نفسي كما يخرج المسافر من وطنٍ لم يعُد يُشبهه.
لم تكن لي وجهة، غير أن قدميّ كانتا تعرفان ما تجهله خرائط الأرض.
سرتُ حتى وجدتني أمام البحر، ذاك المرآة الكونية التي تبتلع الأسماء وتعيدها بلا هوية.
جلستُ على مقعدٍ خشبيٍ يطلّ على الصمت الأزرق.
كان البحر يحدّق فيّ كما أحدّق فيه،
ساكنٌ كالأبد من بعيد، عاصفٌ كقدرٍ في الأعماق.
في عينيه وجدتُ نفسي التي نسيتها،
وفي هديره سمعتُ رجع حوارٍ قديم بيني وبين الوجود.
أغمضتُ عينيّ… فغابت المسافات، واتّسع الحنين حتى صار كونًا.
وفجأة، همس في داخلي صوتٌ كأنّه ذاكرة الماء:
«إلى أين ذهبتَ بفكرك؟»
لم أدرِ أكان السؤال من امرأةٍ خلفي أم من أعماقي أمامي،
لكنّ الجواب انبثق من روحي قبل أن يلفظه لساني.
كنتُ أجيبه بلغةٍ لا تُقال،
لغةِ الذين عبروا بوابة الغياب ولم يعودوا كما كانوا.
وحين فتحتُ عينيّ، رأيتها…
فتاةٌ كأنها ضوءٌ تجسّد في هيئة بشر،
عيناها تحملان سكينة الموج حين يتعب من الغضب،
ونظرتها لا تُشبه النظر، بل تُشبه المعرفة.
لم نسأل من نكون، لأن السؤال لا يليق بمن تعرّفوا قبل الخلق.
تحادثنا بالصمت، وتبادلنا أسرارًا لا تُترجم.
كانت هي وأنا… ككلمتين من قصيدةٍ واحدةٍ تفرّقتا في الدهر،
ثم تلاقتا صدفةً في هامشٍ من الوجود.
مرّت الأيام، أو لعلّها لم تمرّ…
فالذين يذوقون الطمأنينة لحظة، يفقدون الإحساس بالزمن.
وفي مساءٍ رماديٍّ بعد مطرٍ خفيف، رأيتها ثانيةً.
نفس العينين، نفس الهدوء، نفس النور المتخفّي في بريقها.
جلستْ أمامي دون دعوة، وقالت بصوتٍ يشبه الرجوع إلى الذات:
«أتذكر البحر؟ أم أنك تركتَ نفسك هناك؟»
ابتسمتُ كمن اكتشف مرآته في وجه آخر، وقلت:
«كيف أنسى من ذكّرني بي؟»
قالت وهي تمسح بخفّةٍ على فنجان القهوة كمن يقرأ الزمن:
«نلتقي أحيانًا بأرواحٍ لا نعرف أسماءها،
لكننا نعرفها منذ البدء،
منذ أن خُلق الحنين فينا أول مرة.»
حينها أدركت أن اللقاء لم يكن صدفة،
بل تذكّرًا لميثاقٍ قديمٍ أضعناه في زحمة الميلاد.
في مساءٍ آخر، عدتُ إلى البحر.
كان الغروب يُطفئ ألوان العالم،
والموج يُصلّي بلغةٍ لا يسمعها أحد.
جلستُ على المقعد ذاته،
وحين أغمضتُ عينيّ، شعرت بها… هناك،
تمشي على الرمل حافية القدمين، كأن الأرض تُقبّل أثرها.
اقتربتُ منها فقالت دون أن تلتفت:
«جئتَ إذن… تأخّرت كثيرًا.»
قلتُ هامسًا:
«كنتُ أبحث عنك… بين وجهي ووجهي.»
نظرت إليّ بعينين لا تعكسان النور بل تُصدرانه، وقالت:
«أنا لستُ من تبحث عنه،
أنا ما كنتَ تهرب منه.»
صمتُّ، وسرى في قلبي خوفٌ لذيذ، كأن الحقيقة تهمس.
تابعت:
«أنا الحلم الذي نسيته لتعيش،
والحقيقة التي أنكرتها لتستمر،
أنا أنت… في صورتك الأولى قبل أن تتجزأ.»
ثم سارت نحو البحر،
خطاها لم تترك أثرًا، كأنها عادت إلى موطنها المائيّ.
جلستُ وحدي على الرمال، ووضعت يدي على صدري…
كان هناك دفءٌ جديد، كأن شيئًا عاد إلى مكانه.
ومنذ ذلك الحين،
كلما نظرتُ إلى البحر، لم أرَ الماء،
بل وجهي فيه،
يتلو صمته كصلاةٍ لا تُقال.
