أجنحة الرماد– 
نقش المرآة المنكسرة – من سلسلة «نقوش أبدية»
بقلم أ. عبد العالي لعجايلية/



في كلِّ إنسانٍ مرآةٌ خفيّة، لا تُريه وجهه بل تُواجهه بروحه.
وحين يطول التحديق في أعماقها، تنكسر حدود الصورة وينكشف السرّ: أن ما كُنّا نظنّه “الوجود” لم يكن سوى ظلالٍ نُغذّيها من داخلنا.
في تلك اللحظة، تُكسر المرآة لا لأنّها خائنة، بل لأنّها صادقة أكثر ممّا يحتمل القلب.
ومن بين الشظايا، ينهض الإنسان رمادًا حيًّا، تخرج منه الأجنحة لا ليطير، بل ليعود إلى ذاته.
هناك، يبدأ نقش الوعي على جدار الروح، فيغدو الانكسار معمودية الوجود، ويصير الألم رحمًا يولد فيه النور.

كان لي مرآة…
لا تُظهر ملامحي، بل تُظهر لي ظلًّا حين يهرب من عمقها.
كنت أُحدّق فيها طويلًا،
أراها تبتسم لي بعينٍ لا تشبه عيني،
فأخترقتني أو اخترقتها في غيبة التحديق…
فكان الوجود باسطًا لي يديه كأنّه أمّي.

رأيت الحياة قصيدة حب،
كل بيتٍ فيها يُغنّى على لحن الطيبة،
والليل سماؤه حنونة تنثر نجومها كضحكات الأمهات،
وكل الناس يمشون بقلوبٍ نقيّة كندى الصباح.
كنت أسمع الورد يُصفّق للعابرين،
وألمس ضوء الشمس كأنّه دعاءٌ قديم خرج من فاه جدّتي محمّلًا بالصدق.
حتى صمت الطرقات، كان يعانقني دون أن يخذلني.

لكنّ… على حين غرّة،
كسرتني المرآة.

استفقت على صرخةٍ روّعت كياني.
لم أستفق على سرير، بل على أرضٍ باردة كوجه الحقيقة.
بتّ أبحث عن النور…
ألملم فتات مرآتي،
فإذا بوخزةٍ منها تعيرني الآه والألم.
كنت أبحث عن الضحك،
فإذا بقهقهةٍ تُشبه صفير الريح في فم مغارةٍ مهجورة.

الناس..!
كأنّهم أوجهٌ بلا أعين،
يتحرّكون بقوالب مسبقة،
ينطقون بألسنةٍ ليست لهم،
ويكذبون… كمن يستنشق الكذب بدلًا من الهواء.

رأيتهم يتجمّلون بالخراب،
يبتسمون من فوهات قلوبٍ مثقوبة،
يتبادلون الوعود كأوراق شجرٍ ميتٍ تساقط في الخريف،
وأنا؟
كنت أحمل مرآتي المكسورة… أبحث عني فيها.

حاولت أن أصرخ،
لكن صرختي علقت في حنجرة الروح،
وتحوّلت إلى رجفةٍ في عيني،
كأنّي كنت أقول: «أعيدوني إلى ذلك السبات…»
لكن لا أحد يسمع الهارب من الحلم حين يعود وحيدًا.

هُزمت… نعم.
انكسرت… كثيرًا.
لكنني لم أمت.

وفي ذروة صمتي، حين كنت بين الرماد والنَفَس،
سمعت صوتًا يتسلّل كأنّه أنا ولم أكنه…
قال لي:
“ما رأيته لم يكن وهماً، بل كان أنت، حين انعكست روحك في مرآة حقيقتك.”

فبكيت… لا من الضعف، بل من الحقيقة.

ومن يومها، لم أعد أنا كما كنت.
لم أعد أُقنع أحدًا بشيء،
ولا أُطالب أحدًا بصدقٍ لا يعرفه،
ولا أركض خلف ابتسامةٍ مُعلّبة في وجه مهرّجٍ قلبه نازف خلف قناعه الساخر.

أصبحت أسمع الزيف ولا أفكّ رموزه،
بل أتركه يمرّ بي كما تمرّ الرياح على وجه صخرة،
فأنا الآن… كهفٌ يأوي الألم،
بل ظلٌّ يرافق عمري،
بل صخرةٌ تعانق صنمًا.

وفي عزلتي، زرعت بذور وجعي،
حتى صارت من ظمئها جدباء تنبت الصبّار.
أسقيته دمعي الساخن،
ورافقت ظلامه وأنا أشاهد نجمةً صغيرة ترقص على أطراف ليلي وتقول لي بصوتٍ مرهف:
“أنتَ هنا.”

هزّت في قلبي رعشة الحياة،
وأخرجت من جعبتي مرآتي المحطّمة،
أخاطبها وأتوسّل إليها في قهرٍ قائلًا:
“أرجوكِ، لا تُريني الوهم بعين الحقيقة، وأظهري الحقيقة بعين الحياة…”

فبدا من انعكاس النجم نورٌ يولد من حدقة عيني،
وفي داخلي يتفرّد بالحياة،
وكأنني مدينةٌ لم تطأها قدم.

فابتسمتُ بكل ملامحي…
كأنني وُلدتُ للتو، من نورٍ يشبهني،
وأدركت أن كل انكسارٍ كان طريقًا إلى وجهي الحقيقي.