كيف نختار.. حين يحاول الجميع أن يختاروا لنا؟

بقلم وسـام طيارة/

في عالمٍ تتكاثر فيه الأصوات أكثر من الأفكار، وتلمع فيه الواجهات أكثر مما تلمع الكتب، يبقى السؤال الحقيقي واحداً:
كيف يستعيد القارئ حقه الطبيعي في الذوق..
وسط هذا الزحام الكبير من المتدخلين في روحه؟

تمهيد

من هنا أبدأ..
لا لأحاكم أحداً، بل لأُعيد ترتيب الضوء.

نحن نعيش اليوم لحظة ثقافية غريبة..
لحظة يبدو فيها القارئ حراً، لكنه ملاحَق من كل الجهات:
من واجهة مكتبة تُلمع كتباً معينة،
من تقرير تلفزيوني يرفع كتاباً إلى السماء،
من تريند يصرخ: “هذا هو الكتاب الذي يقرأه الجميع!”
من مؤثرٍ يبكي على فيديو،
من جائزة تملي علينا “المسموح والمحبوب”،
ومن ناقد يبحث عن ذوق اللجان أكثر مما يبحث عن ذوقه.

وهنا.. يصبح السؤال الذي طرحه أحد الأصدقاء في مقاله سؤال اللحظة:
هل نختار فعلاً؟
أم أن اختيارنا مجرد نتيجة لتأثيرات متقنة، تعمل في خلفية وعينا؟

أحاول هنا أن أجيب.. بدقة ووضوح.

  1. الواجهات.. حين تُدار المكتبة بخيوط خفية

المكتبات اليوم ليست مشهداً بريئاً.
الكتاب الذي يواجهك أول الدخول للمكتبة..
ليس “أفضل الموجود”، بل “الأكثر دفعاً”.

مثال بسيط:
كتاب متوسط..
يحصل على عقد مع المكتبات ليكون على الواجهة لمدة شهرين.
فيزداد انتشاره، لا لأنه الأفضل، بل لأنه الأقرب ليدك.

استراتيجيتي الشخصية:
أنا لا أثق بالضوء الأول.
أذهب للرفوف الخلفية، للأماكن التي لم تُشترى فيها المساحة، للكتب التي تعيش على قيمتها.. لا على الإعلان.

  1. الحملات الدعائية.. صناعة “الكتاب الذي يقرأه الجميع”

التريند اليوم هو أخطر أشكال التوجيه.
ليس لأنه كاذب بل لأنه “مشعور”..
يجعلك تخاف أن تكون خارج الدائرة.

مثال بسيط:
كتاب ينتشر في يومين..
الصور أكثر من القراء،
والآراء جاهزة قبل أن تبدأ الصفحات.

استراتيجيتي الشخصية:
أنتظر حتى يصمت الضجيج.
فالكتب الحقيقية لا تموت بانتهاء التريند،
بل تظهر بعد أن ينسحب الزحام.

. الإعلام.. الشاشة التي ترسم الذوق من بعيد

الإعلام يمتلك سلطة لا ينافسه فيها أحد:
سلطة الشرعية.
فقط تقريرٌ قصير،
حوارٌ سريع،
حلقة تلفزيونية..
كفيلة بتحويل كتاب عادي إلى “حدث”.

مثال:
كتاب يحصل على تغطية إعلامية واسعة..
فتقفز مبيعاته ٤٠٠٪ خلال أسبوع، رغم أنه لم يتغير،
فقط.. ضوء الكاميرا سطع عليه.

استراتيجيتي الشخصية:
لا أقرأ ما يفرضه الإعلام علي.
أستعمل الإعلام كخريطة.. لا كقفص.
أدون العناوين، ثم أختبرها بنفسي دون سلطة الشاشة.

  1. المؤثرون.. حين تتحول الدموع إلى إعلان مدفوع

لا يمكن تجاهل دور المؤثرين.
أصبحوا “الوكيل الجديد للكتاب”
ويمتلكون قوة التأثير العاطفي أكثر من أي مؤسسة أخرى.

مثال بسيط:
فيديو عاطفي عن كتاب “غير حياتي”.
بعد أسبوع.. فيديو آخر عن كتاب آخر “غير حياته”.
كم حياة يحتاج ليُغيرها كل أسبوع؟

استراتيجيتي الشخصية:
لا أسمح لعاطفة الآخرين أن تُقود ذوقي.
أسمح فقط لعاطفتي.
أفتح الكتاب..
إن لم يمس شيئاً في داخلي خلال عشر دقائق،
أغلقه دون ندم.

  1. الجوائز.. حين يتحول التكريم إلى توجيه

بعض الجوائز محترمة وعادلة..
وبعضها مجرد خريطة أيديولوجية مغلفة بالأناقة.
تكافئ تياراً معيناً،
وتصمت عن تيارات أخرى،
وترسم “شكل الذوق المقبول”.

مثال بسيط:
ثلاث سنوات متتالية..
الفائزون ينتمون لفكر واحد،
وأسلوب واحد،
ومدارس واحدة.
هذه ليست مصادفة..
هذه سياسة.

استراتيجيتي الشخصية:
أقرأ الفائزين، نعم.. كي أعرف أين يقف خطاب العصر.
لكني أقرأ الخاسرين لأعرف أين تقف الحقيقة.
فبعض الخسارات شرفٌ أعلى من الفوز.

  1. النقد الأكاديمي.. حين يصبح ختماً بدل أن يكون بحثاً

النقد اليوم يعيش أزمة..
حيث صار بعض النقاد جزءاً من ماكينة الترويج،
يكتبون عن ما تختاره اللجان،
لا عن ما يختاره القلب.

مثال بسيط:
مقال نقدي طويل..
يصفق للكتاب منذ السطر الأول،
والغريب؟
الكتاب نزل السوق قبل 48 ساعة فقط!

استراتيجيتي الشخصية:
لا أقرأ النقد قبل الكتاب.
أقرأ الكتاب أولاً،
أكون ذوقي،
ثم أسمح للنقد أن يحاورني، لا أن يشكلني.

  1. الخوارزميات.. التوجيه الصامت الأكثر خطورة

هذه لم يذكرها أحد، لكنها اليوم اللاعب الأكبر:
أمازون يقترح لك،
جودريدز يقيم لك،
السوشيال يعرض لك،
والذكاء الاصطناعي يرشح لك..
حتى قبل أن تفكر أنت!

مثال بسيط:
ابحث عن كتاب واحد..
سوف تغرق بعدها بكتب تشبهه،
كأن الإنترنت يقول لك:
“ابقى هنا.. لا تُفكر خارج ما ظننته تحبه.”

استراتيجيتي الشخصية:
أخدع الخوارزمية.
أبحث عن كتب لا تشبه بعضها،
أجعل ذوقي فوضوياً قليلاً،
كي لا يتحول عقلي إلى قفص رقمي مغلق.

  1. غياب التعليم النقدي.. الجذر الخفي للمشكلة

القارئ العربي لم يُعلم كيف يشك.
لم يتعلم كيف يقرأ قراءة نقدية،
ولا كيف يعترض،
ولا كيف يميز بين المعرفة والعرض.

وهنا تبدأ كل الفوضى.
فالوعي ليس بديهية..
إنه مهارة.

استراتيجيتي الشخصية:
أعتبر كل معلومة قابلة للشك.
لا أبتلع فكرة دون اختبار،
ولا أقدس كتاباً مهما كان صاحبه.

القارئ الجديد.. السلطة التي يخافون منها

ورغم كل ذلك..
هناك قارئ جديد بدأ يظهر:
قارئ يجمع بين القلب والعقل،
بين الحماسة والشك،
بين الرغبة في المعرفة.. والرغبة في عدم التلاعب به.

هذا القارئ..
هو النقطة التي تفشل عندها كل الحملات،
وكل الخوارزميات،
وكل الجوائز،
وكل التأثيرات.

عندما يكون القارئ واعياً..
لا يستطيع أحد أن يشتري ذوقه،
ولا أن يبيع له كتاباً دون أن يمر من غربال روحه.

القراءة ليست هواية.
إنها فعل سيادة.
استعادة لحقك في أن تكون أنت..
لا ما يريدون لك أن تكونه.

اختر، حتى لو أخطأت.
شُك، حتى لو غضبوا.
اقرأ، حتى لو سار القطيع في جهة أخرى.
فالذوق الحر..
ليس أن تبتعد عن العالم،
بل أن ترى العالم دون أن يضع أصابعه في عقلك.

ارفعوا القبعات..
ليس للمقال، بل للقارئ الذي لا يخضع.

اقرأ كأنك تُنقذ نفسك..
ولا تسمح لعالمٍ كامل أن يختار عنك ما يمكن لصفحة واحدة أن تختاره لك.