قصة قصيرة/ شجرة السدر ..
بقلم سمير لوبه/

ثم جاء يوم المنصورة وأنا هنا.
رأيت ” چان ” رأيته يقترب.
رأيت خوذته تلمع، وسيفه يرتفع، ووجهه متعبًا، يهرب منه كل شيءٍ إلا صورة ” چين “
صرخ باسم ” أندريه ” حين سقط أمامه، لكن صوته ضاع وسط الغبار والسهام والغضب.
فإذا برجلٍ من أصحاب الأرض، يندفع نحوه بفأس.
لقد رأيت الضربة.
يشعر چان ببرودةٍ تزحف على كتفه ثم صدره.
يسقط چان، والسيف ينفلت من يده، والسماء تعلو فوقه. نظر إليَّ وهو يهمس:
چين، سامحيني.
الفجر يتكسر على أرصفة ميناء مرسيليا ، الضوء الوردي الذي يسبق شروق الشمس بدا طلاءً شفيفًا يغطي المدينة، بينما السفن الراسية تهتزُّ هزًّا خفيفًا مع تنفس البحر.
ترتفع صيحات الحمالين على أرصفة الخشب.
تقف السفينة ” لومونتجوي ” سفينة الملك ” لويس التاسع ” في قلب الميناء منتصبة الصدر.
تضج مرسيليا يومها بالصلوات. الكنائس مفتوحة أبوابها، والناس يحبسون دموعهم خلف التراتيل.
في الحارة الضيقة الممتدة خلف الميناء، يقف الرجل البدين ” مونييه ” يمسك بمجرته الخشبية، يجرُّ بها الخبز من الفرن.
وحين مرَّ القس من أمام المخبز، وقف مونييه بخشوعٍ، وانحنت قامته أمام الصليب الذي رفعه القس فوق رأسه.
لتكن بركة الرب مع بيتكم يا مونييه.
ومع ابني چان يا أبانا “
ابتسم القس، وقال:
ليعد سالمًا .
في آخر الحارة، بيتٌ بسيطٌ، بُنِي من حجارةٍ غير متساويةٍ، بابٌ خشبي قديمٌ، وساحةٌ صغيرةٌ فيها جرة ماءٍ وحوض زهورٍ ذبل أغلبه.
تجلس چين تطوي قطعة قماشٍ بيضاءَ، وتطرز أطرافها بخيطٍ ذهبي خافتٍ.
تقول لنفسها:
سأهديه هذه.
حين علت الأصوات من الميناء، خرجت تركض. مرسى السفينة بدأ يفتح أبوابه للجنود، والأمهات يهرولن لتقبيل أبنائهن.
بحثت بعينيها عن چان، رأته بين الجنود، ركضت نحوه، أمسكته من ذراعه، أعطته قطعة القماش، وصوتها يرتجف:
چان، لا تطِل الغياب.
سأعود يا چين.
نظرت إليه نظرةً طويلةً. كأنها تحفظ ملامحه خوفًا من غدر الزمن.
الشرق بعيد. بصوتٍ هامسٍ تقول لنفسها.
سطح السفينة مزدحمٌ بالسيوف والدروع والرجال. أصواتٌ تتداخل، أوامر القادة، صرخات البحارة، ارتطام الصناديق، وصوت الحديد يُجَر على الخشب.
أما جوف السفينة فكان عالمًا آخر.
ممراتٌ ضيقةٌ، فوانيس زيتيةٌ تتأرجح، روائح حادةٌ من القطران والرطوبة، وأسِرَّةٌ خشبيةٌ لا تتسع إلا لجسدٍ مرهقٍ.
تمدد چان على فراشه العلوي، ينظر إلى السقف، فيما الموج يهزُّ السفينة. سمع صوت صديقه أندريه:
لن تنام الليلة، أليس كذلك؟
من ينام وهو ذاهب إلى حرب؟
أحسن ما تفعل أن تنسى كل شيء في مرسيليا.
وچين؟
خاصة چين.
ضحك چان:
إذن فلتنسَ أنت كل الذين تحبهم.
أنا؟ ليس لي أحد ينتظرني يا صديقي؛ لذلك أنام بسهولة.
ساد صمتٌ خفيفٌ، تذكر وعده لـ چين، ثم هزَّ رأسه، فهو يعرف أن الحرب لا تستمع للوعود.
مع بداية الرحلة، هبَّت رياحٌ قويةٌ جعلت السفينة تميل ميلاً حادًا.
تكسرت الأمواج على جوانب السفينة تريد ابتلاعها.
چان كان يحب البحر من الشاطئ فقط.
أما هنا، فوق ظهر الوحش الأزرق، فقد عرف أنه أمام قوةٍ لا تُقهَر.
وقف عند مقدمة السفينة، شعر بالرياح تلسع وجهه.
تذكَّر مخبز أبيه.
رائحة الخبز الساخن.
غناء أمه بجوار الحطب المتوهج
صوت چين.
وإيقاع المطر في مرسيليا.
أغمض عينيه، يبتهل للبحر أن يعيده سالما
مرَّت أسابيع، ثم أشهر.
أصبح المخبز بلا ضحكاتٍ، بلا صياحٍ.
مونييه يعجن الطحين بيديه الثقيلتين، لكن قلبه في الشرق مع چان.
تبكي زوجته:
كل هؤلاء عادوا، إلا چان؟
في كل ليلةٍ، يترك مونييه رغيفًا على الرف، دون أن يلمسه أحد.
يقول:
هذا لـ چان إن عاد جائعًا.
تدور چين في البيت، تنظف، تغسل، تخيط، ثم تخرج إلى الميناء، تنظر إلى البحر، تعود، تقرأ رسالة قديمة كتبها لها چان “أريد أن أبني بيتًا من حجارة بيضاء، سقفه من خشب، له نافذة تطل على البحر، يكفينا نحن الاثنين”.
في الليل تبكي بصمتٍ كي لا تسمعها أمها.
ثم تجفف دموعها تهمس لنفسها:
سيعود؛ بيننا وعد .
قبل شهورٍ كثيرةٍ حين وصلت حملة لويس التاسع إلى مصر، بدا كل شيءٍ مختلفًا، السماء هنا أكبر، الشمس أشد، الرمال لاذعةٌ، والنيل نفسه يخيف الدخلاء.
المعسكر في المنصورة واسعٌ، نيران مشتعلةٌ، قدورٌ خاليةٌ من الطعام، صرخات الجرحى، وحركة لا تهدأ.
قال أندريه لـ چان:
هذه ليست حربًا، هذه أرض تبتلع من يغزوها.
لكن المعركة لم تنتهِ بعد.
يكفي ما لقينا هنا من جوع ومرض .
ومع كل يومٍ جديدٍ، كانوا يفقدون رجالًا لم يلمسهم السيف؛ يخطفهم المصريون بحيلٍ عجيبةٍ.
كانت المنصورة مدينةً ضيقة الشوارع، من بيوتٍ طينيةٍ، أبوابها خشبية، ونوافذها صغيرة تطل على الأزقة.
لكن خلف هذا الهدوء رجالٌ لا يهجعون.
مع الفجر، أصدر قادة الفرنجة الأمر بالهجوم.
انطلقت الأبواق.
ارتفعت الرايات.
يتقدم الجنود ” روبيرت أرتوا ” في مياهٍ ضحلةٍ يغمرها النيل.
چان وضع خوذته، أمسك سيفه، وتنفس بعمقٍ.
لم يفكر في النصر.
ولا في الملك.
ولا في القساوسة.
فكر فقط في چين.
قال لأندريه:
إن عدت قبلي، أخبرها أنني..
قل لها بنفسك يا أحمق. ) صرخ في وجهه أندريه(
ثم انطلقا.
بدأت السهام تتساقط.
حادةً، سريعةً، تلمع في الشمس.
سقط رجالٌ أمامه.
رجالٌ خلفه.
وأندريه..
سقط فجأةً، كأن الهواء اخترقه.
صرخ چان باسمه، لكن المعركة ابتلعت صوته.
تقدم، والسيف يرتفع ويهبط، والغبار يعمي عينيه، والصرخات تملأ أذنيه.
فإذا برجلٍ من أهالي المنصورة يندفع نحوه بفأسٍ
لم يشعر چان إلا ببرودةٍ في كتفه، ثم برودة أشد في صدره.
انحنى جسده.
وقع السيف من يده.
وسقط على الأرض.
لم يرَ إلا السماء.
ثم ظلالي فوقه.
شعر بأنفاسه تخبو.
تمتم:
“چين، سامحيني”
وغاب.
دفنوه مع أكثر من ثلاثين ألفا ابتلعتهم أرض المنصورة.
عند مخبز مونييه
لم يتكلم.
لم يبكِ.
لكن يده التي تحمل الرغيف ارتجفت حتى سقط الخبز على الأرض.
أما چين أغلقت النافذة
وأطفأت نورها.
دُفن چان تحتي عند أسوار المنصورة بجواره روبيرت أرتوا.
دُفِن ولم يكن معه شيءٌ.
إلا قطعة قماشٍ بيضاءَ مطرزةٍ بخيطٍ ذهبي خافتٍ وجدها الجنود في يده.
وضعوها فوق التراب.
ثم غادروا.
وبقيت أنا مكاني واقفةً.
أنا شجرة السدر آخر من يروي لكم الحكاية.

الحرب لا تنتصر حين تسقط الجثث، بل حين تنسى الأرض أسماءهم.
وحدها الشجرة تحفظ الحقيقة: يموت الغزاة وتبقى الجذور.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،ما شاء على المجلة الرائعة..تطرح مواضيع قمة في الجمالية ،جمالية النص وجمالية المعنى..