“الطيور على أشكالها تقع… حين تتشابه الأرواح قبل الخطى”

بقلم  بوبكر بلعيد/



في عالمٍ يفيض بالأفكار والوجوه والطبائع، تظلّ المقولات الشعبية شاهدة على حكمةٍ تراكمت عبر الزمن؛ لا لبساطتها الظاهرية، بل لأنها تختزل خبرات إنسانية عميقة في جملة قصيرة. من بين تلك الحكم تتصدر المقولة الشهيرة: “الطيور على أشكالها تقع”، التي تبدو لأول وهلة وصفًا لطبيعة الكائنات، لكنها في جوهرها قراءة رمزية لطبيعة الإنسان ولآليات تشكّل العلاقات الاجتماعية بعيدًا عن ادعاءات الصدفة.

هذه الجملة ليست مثلًا عابرًا؛ إنها معادلة فلسفية تختبر قدرة الإنسان على الاختيار، وتكشف ميوله ومعاييره، بل وتفضح طبائعه الخفية. فالناس ــ كما الطيور ــ ينجذبون إلى من يشبهونهم: في القيم، في الوعي، في الطموحات، وحتى في العيوب. وكأن الوجود يمنح لكل روح مرآتها، ولكل إنسان ظلّه الذي يلتقي به دون موعد أو ترتيب.

إنها ليست مسألة تشابه في المظهر، بل توافق في الجوهر.
فالعلاقات الإنسانية لا تُبنى على العبارات المنمّقة ولا على الصور العابرة، بل على ذبذبات داخلية، تشبه موجات صامتة لا تُرى، لكنها تجذب من يحمل التردد ذاته. لذلك نسأل أنفسنا أحياناً: لماذا نرتاح لشخص ما من أول لقاء؟ ولماذا ننفر من آخر رغم المجاملات؟
الجواب يعود إلى تلك الحكمة العتيقة التي أدركت مبكرًا ما يحاول علم النفس الحديث تفسيره: الطاقة تجذب ما يشبهها، والطبائع تبحث عمّن ينسجم معها.

ولا تقف المقولة عند حدود الراحة النفسية أو التوافق الروحي؛ فهي أيضًا أداة لفهم الاختلال الاجتماعي. فكما تجتمع الأرواح الراقية حول القيم والسمو، تتجمع الأرواح المريضة حول السلبية والضجيج والتفاهة. وكأن الحكمة تهمس في أذننا بسؤال نقدي:
هل نحن من نختار محيطنا… أم محيطنا هو الذي يكشف حقيقتنا؟

بهذا المنظور، تتحول المقولة إلى دعوة للتأمل الذاتي:
فمن يشبهوننا اليوم هم انعكاسٌ لنا، والعلاقات التي تحيط بنا ليست صدفة، بل ثمرة ما نحمله في داخلنا. وإذا أردنا تغيير محيطنا، وجب أن نبدأ من أنفسنا. فالتغيير الاجتماعي الحقيقي يبدأ بالفرد، ثم يسري في المجتمع كالعدوى؛ قد تكون عدوى الجمال أو عدوى الخراب.

وتغدو العبارة مؤشرًا للتطور الشخصي أيضًا.
فكلما ارتقى الإنسان في وعيه، تغيّر محيطه تلقائيًا؛ وكلما نضج، تلاشت من حوله الوجوه العابرة، وحلّت محلها وجوه أكثر عمقًا وصدقًا. وكأن الحكمة تقول: حين تغيّر شكل جناحيك… ستجد نفسك في سربٍ جديد.

في النهاية، تبقى هذه المقولة أكثر من مثلٍ شعبي؛ إنها فلسفةٌ في فهم الذات، ومرآةٌ للعلاقات، وتنبيهٌ بأن عالم الإنسان محكوم بقوانين الانسجام لا بقوانين المصادفة.
ولعل السؤال الذي يبقى مفتوحًا:
إلى أيّ سرب ننتمي حقًا… وماذا يقول ذلك عنّا؟