قصة من بريد الحب
بقلم وسـام طيارة /



حين انكشف الوعد قبل أن تُضاء القاعة
(حكاية رجلٍ صدق أخيراً.. وأنقذ امرأة من العتمة)


كانت “مروى” تمشي في البيت ذلك الصباح بخفة امرأة شعرت أخيراً أن القدر تأخر.. لكنه وصل.
علقت الفستان على باب غرفتها، كأنها تعلق غداً كاملاً، ووقفت أمام المرآة وهي ترتب شعرها وتبتسم لنفسها:
“هذا الرجل.. لا يشبه أحداً. حتى قلبي يخجل أمام حضوره.”

وفي الجهة الأخرى من المدينة، كان “وائل” يقف أمام محل الذهب، يختار الخاتم الذي سيبشرها به.
كان ثابتاً، هادئاً، كأن الدنيا صفت نفسها لتقوده إليها.

ثم..
رنّ هاتفه.

لم يكن الاسم مألوفاً.
لكن الصوت كان.
الصوت الذي دفنه منذ زمن بعيد، في حفرة لم يقترب منها خوفاً من أن تبتلعه من جديد.

قال الصوت بهدوء يشبه الاعترافات التي يقولها الناس بعد منتصف الليل:

“وائل.. في بنت بتستنى تتزوج.. منك وإنت لسا إلها.”

سقط صمت ثقيل.
لم يكن الكلام عن حبٍّ قديم فقط..
بل عن وعد قديم لم يدفنه فعلاً.

تجمد وائل.
وضع الخاتم على الطاولة.
ثم قال للبائع:
“ما بدي شي.”
وخرج.

عاد إلى سيارته كأنه يسترجع عمرين فوق بعض:
العمر الذي كان يجب أن يعيشه..
والعمر الذي سيخسره الآن.

كتب رسالة قصيرة.
ثم اتجه إلى بيت “مروى”.

كان البيت مثل قلبٍ مفتوح للضوء.
كل شيء جاهز للفرح.
وحين دخل، خرج الناس لاستقباله بضحكات دافئة..
لكن حين اقتربت منه “مروى”، رأى في عينيها شيئاً لم يستطع النظر إليه طويلاً:
ثقة كاملة.. ورهان كامل.

ناولها الرسالة.
ابتسمت بخجل، وظنت أنها مفاجأة جميلة.

لكن الرسائل الصادقة.. لا تأتي دائماً ملفوفة بالفرح.

فتحت الورقة.
كان فيها:

“أنا ما بخاف أرتبط فيك..
أنا بخاف كون الجرح اللي بيحسسِك إنك اخترتِ الغلط.”

رفعت نظرها إليه.
لم يكن ضعيفاً.
لم يكن خائناً.
كان رجلاً اكتشف متأخراً جداً.. أنه غير صالح للحياة التي تستحقها.

تراجع خطوة.
ثم أخرى.
وغادر.

في اللحظة التي أغلق فيها الباب،
فهمت مروى شيئاً لم تكن لتفهمه لولا الوجع:
لم يهرب منها..
هرب من الجزء منه الذي سيؤذيها لو بقي.

وقفت بين الناس بثبات، ثم نزعت دبوس الشعر من رأسها، وتركت الخصل تنحدر كأنها تُسقط آخر وهمٍ في قلبها.

لم تبكي..
لأن الحقيقة حين تأتي بهذا الشكل..
لا تترك دمعة، تترك حكمة.

أقسى خسارة..
أن تنجو من شخصٍ أحببته،
وتعرف في قلبك أنك نجوت فعلاً.

فأحياناً يتركك القدر الآن،
ليحميك من خرابٍ كنت ستدفع له عمرك.