حرية تُمنح وهوية تُسلب ، من نحن حين نكون متصلين خلف المواقع؟

بقلم  إيمان كحول /




         بين غمار الشاشات وأصوات الاشعارات يجد الانسان نفسه بين عالم حقيقي وآخر وهمي صنعه بنفسه عبرالمواقع  وسط فضاء حر بلا قيود وحرية مغرية، وتدفق لا ينتهي من الصور والأفكار ما يجعله يفقد القدرة على تمييز الحقائق والهويات ،و بقارعة هذه الفوضى الافتراضية يلتقي الأفراد وتُفتح الأبواب لبناء مجتمعات رقمية من خلال الإنطباعات والآراء المختلفة ، إذ بها  تحولت من منبر للتسلية إلى فضاء مؤثر في الوعي والذوق العام و السلوك الفردي والجماعي، واعادة تشكيل الذائقة الثقافية  لهذا هذا العالم ، لتصبح واقعا موازيا للواقع  وتلعب دورا رئيسيا في إعادة صقل ملاح الانسان وصياغة صورته  بطريقة غير مباشرة خفية ، فهناك من يراها المساهم الأول في فقدان الانسان لاصالته وهويته خاصة وأنه يركب موجات المحتوى المتشابه، ومن يراها مجرد فضاء برئ ومساحة للتعبير والانفتاح بحرية وبين هذه التناقضات سؤال يفرض نفسه: هل يمكن للحرية الرقمية أن تتكيف مع ثباث الهوية دون أن تسلبنا ذاتنا؟
          إن المواقع  احدثت ثورة في مفهوم الحرية الشخصية  لتكون الهامش الجديد للتعبير و ساحة  جدال ومنبرًا لكسر حاجز التواصل بين الثقافات المختلفة ، جعلت  العالم أكثر إنفتاحا وتقاربا  بتمكين  المستخدمين من خوض غمار المناقشات وتبادل الأفكار والخبرات بشكل سلس ،خاصة لتلك الفئة المهمشة أو المغيبة في الواقع  قصدا لتكون جزءا من الخطاب العام  ،حيث أصبح من السهل ايصال صوتك  وانطباعاتك بكتابة منشور او مقطع صوتي قصير أو فيديو لنشره ليصل إلى جمهورك حيث كان وخارج حدود بلدك ، فكل فرد قادر على إبداء رأيه ونشر موهبته  من كُتاب وشعراء ،مؤلفين وحتى مصورين و مؤثرين دون وسيط متحكم ، وبعيدا عن القنوات التقليدية لتفتح أمامهم فرصا للإبتكار والظهور وكسب جمهور عالمي ليكون أكثر تأثيرا من بعض المؤسسات الاعلامية ،هنا تمنحك هذه المنصات قول ما كنت تخشاه في الفضاء الواقعي خوفا من المجتمع أو السلطة ، وتساهم في تسهيل العلاقات بين الأفراد  ،والاطلاع  على الثقافات المختلفة بين دول العالم وتوسيع الافق ،  في الجانب الآخر المنتقدون يرون أن هذا الانفتاح لن يكون دون ثمن ،خاصة وأنها قلبت كفة الميزان لصالحها وأصبحت  تتحكم في الهوية الجماعية  والفردية خاصة ،  من خلال تبني نمط حياة لا يشبههم فقط لاشباع رغبتهم أو اعجابهم ، فطغيان  ثقافة “المحتوى السريع” و “الترند”  التي تجعل من آلاف الأشخاص يقلدون أنماط سلوكية أو صور جاهزة قام شخص ما بنشرها على مواقع التواصل كقطيع لا يريد البقاء خارج هذا الفضاء وللحصول على القبول الرقمي ، ما خلق موجة كبيرة من التشابه، في جهة أخرى  الكثير من المستخدمين يعملون بهوس على نشر صورة مثالية لهم بعيدة كل البعد عن الذات الحقيقة يعيدون بناء شخصياتهم وفق ردود الآخرين وتعليقاتهم وما يناسب جمهورهم  ، ليصنعو نسخة رقمية جديدة معيارها التفاعل وهنا تسقط قيمة الفرد ،ظاهرة نعيشها يوميا خاصة وأن الكثير تبنى هذه الفكرة ما جعله يقع في ضغط نفسي كبير وشعور بالاغتراب في كل صورة  أو أي شيئ يشاركه وفقدان للذات نتيجة المقارنات بين الحياة المزيفة المعروضة من قبل أشخاص آخرين  على مواقع التواصل ، لكنه مضطر للاستمرار ليكون جزءا من مسلسل عنوانه أي هوية تبقى في عالم المتشابهين .

وفي ظل الصراع القائم  أن  وسائل التواصل حرية رقمية أو فقدان للهوية، لايمكننا الجزم أنها تمنح الحرية أو تسرق الهوية وإنما الموضوع اكثر تعقيدا  ،إذ لا تكمن المشكلة في هذه المنصة بحد ذاتها بل بالتفاعل معها لانها أداة تتأثر بطريقة استعمالها ، من يحتفي بها و يقودها بوعي  يبني بها حضورا راقيا يعكس ذاته وهويته دون التنازل عنها، ومن تتغير هويته وفق تفاعلات ورغبات الجمهور لا وفق قيمة ذاته فهو ترك نفسه رهينة لها ، ليكون الانسان الحديث متأثرا إما ايجابيا او سلبيا بهذه المنصات وما يحدده هو نضج المستخدم أو غباءه.
يبقى التحدي قائم و الجدل مطروح بين تجنب وسائل التواصل الاجتماعي أو تحسين طريقة استخدامها  دون السماح لها بسلب الهوية واعادة برمجة الذات الانسانية  ، فالحرية الرقمية  حين يكون الفرد قادرا على الفصل بين ما يريده وما هو خاص به ، لا الانسحاب وراء الهويات التي تصنعها الخوارزميات لنبقى في دوامة بين هل نحن من يوجه حضورنا الرقمي أم العكس ؟ وهل هويتنا تملكها المنصات أم نحن ؟