على عتبة مسرح الحياة…

بقلم أ.عبد العالي لعجايلية./



ليست الحياة خشبة مسرح فحسب… بل هي ممرّ للأقنعة، ومتاهة للأدوار، وسجنٌ للـ”أنا” في جلباب “ما يُراد لها أن تكون”.
هنا، تبدأ الحكاية…
حين يستيقظ الداخل من غفوته، ويتساءل:
هل أنا ما أعيشه… أم أنا ما فقدته في الطريق ..؟

فتحتُ خزانة التقمّص لا كمن يبحث عن معطف، بل كمن يُنقّب في مقبرة عن عظامه المنسيّة.
أخرجتُ دورًا معلّقًا على شماعة الغيب، لبسته كمن يُؤخذ إلى قدره مكبّلاً، لا عن قناعةٍ بل عن عادة.
كان على مقاسي تقريبًا…
أو ربّما تقلّصتُ بما يكفي كي أنسجم مع قيدٍ يُزيّنونه باسم اللياقة.

ربطت عنقي بشريط البروتوكول، ربطة تُشبه المعتقد: أنيقٌ في الظاهر، خانقٌ في الجوهر.
آه كم أمقتها!
كأنها تعاويذ المجتمع تُشدّ على رقابنا… باسم الذوق، وباسم الأدب، وباسم الدين… وكلّها حبال مختلفة اللون، مشتركة الخنق.

وقفت أمام مرآتي…
فإذا بانعكاسٍ لا يعرفني.
تسمرتُ أمام وجهٍ يشبهني في التفاصيل… ويخونني في العمق.
وجنتان منقوشتان بملامح التعب، عينان يُظلهما سؤال قديم:
أأنت أنا، أم قناعٌ تقنّع بي ونسي أن يُغادر؟

كان وجهي باهتًا كلوحةٍ نُسيَت تحت المطر، وتاريخه مكتوبٌ بماء القلق.
صوت خافت خرج من داخلي كأنين جرح قديم، وسألني:
“هل تُمثّل لتعيش، أم أنك تعيش لأنك لا تجرؤ على أن تكون؟”

الخلفية صامتة…
الديكور باهت، الستائر تحدّق بي، المقاعد تهمس، الأضواء تفضحني، والجمهور يصفّق… لا إعجابًا، بل عادة.
كأنهم يقولون: حسنًا، لقد أقنعنا… حتى وهو ينهار.

كم من الأدوار ارتديتُها،
وكم من الذوات قلعتها؟
أأنا ذاكرة الأدوار، أم أنا خواء ما تبقى منها؟

سألتُني:
أأدخل هذا الدور كضيف يمر، أم كوريثٍ يتورّط في النص فلا يخرج منه أبدًا؟
أأجرب الحياة كمن يجرب الموت في مسرحٍ بلا جمهور؟
أم أنني أذوب رويدًا رويدًا… حتى يختلط ظلي بظل الشخصية، فيغدو الاثنان وَهْمًا واحدًا؟

أريد أن أخرج من النصّ.
أن أرتجل.
أن أقول جملي بلا مخرج، بلا سينوغرافيا، بلا بروفة.
أريد أن أكون لحنًا شاذًا في سمفونية الخنوع…
أريد أن أكون… ولو مرّة، أنا.

لكن… من أنا؟
هل كنتُ ذاتًا، أم أن كل وجهي اختُصر في الأقنعة؟
هل كنت أنا الشاهد… أم مجرد مشهد؟

ورأيتني فجأة… أجلس بين المقاعد،
أصفّق لذاتي المنهارة على الخشبة،
أبكي وأنا أضحك،
وأدركت حينها… أنني لم أكن الممثل.

كنتُ دومًا الجمهور.
أراقبني،
أنتقدني،
أصفّق لي،
وأدفنني…
باسم الفن، وباسم الحياة، وباسم “ما يجب أن أكونه”.

انطفأت الأضواء… وسقط الستار.
لكنّ الدور لم ينتهِ.

في زاوية المسرح، بقي ظلٌّ يتحرّك… بلا مخرج، بلا جمهور، بلا نصّ.

وكنتُ أسمع الهمس داخلي:

ربّما آن الأوان أن تكتب ذاتك، لا أن تمثّلها.

لكن كيف يُكتب مَن لا يعرف اسمه بعد؟