الليلة الأخيرة….
بقلم بوبكر بلعيد. /



في الليلةِ الأخيرة…
لم تكن السماء مجرّد مساحةٍ معلّقة فوق رؤوسنا، بل كانت كائنًا حيًّا يتنفّس معنا، يضطرب حين نضطرب، ويهدأ حين يهدأ ما تبقّى منا. كانت الغيوم تتحرّك ببطءٍ يشبه خطوات شيخٍ يحمل على ظهره ذاكرة العالم، كأنها تريد أن تمنحني وقتًا إضافيًا لأفهم… أو لأستسلم.

كان الهواء ثقيلاً، ليست ثقيلًا من الغبار، بل من المعاني التي تراكمت في صدري، تلك التي لم تُقل، ولم تُفهم، ولم تجد طريقًا نحو النور. كلُّ كلمةٍ أخفيتُها، كلُّ شعورٍ كبحتُه، كلُّ خسارةٍ تظاهرتُ بأنها لا تعنيني… كلُّها كانت تجلس معي في تلك الليلة، على مقعدٍ من صمت.

لم أكن وحدي، رغم أنني كنت وحدي تمامًا.
ثمة أصواتٌ لا تُرى، ظلّ الذاكرة، ارتعاشٌ في الروح، وشيء يشبه يدًا غير مرئية تلمس كتفي ثم تختفي. شعرتُ لوهلة أنّ العالم يهمس لي:
“هنا تنتهي رحلةٌ ما… كي تبدأ أخرى.”

مشيتُ في الشوارع التي طالما حفظتُ تفاصيلها.
لكنّها لم تعرفني تلك الليلة.
الأرصفة تحدّق بي كأنها تقول:
أخيرًا قرّرت أن تواجه نفسك؟

المصابيح المُتعبة ترسل نورًا شاحبًا، لا يكفي لتهدي جسدي، لكنه يكشف روحي بطريقةٍ مؤلمة. كل ظلٍّ كان يبدو أطول من المعتاد، كأن الأشياء نفسها فقدت اليقين. حتّى قلبي، ذلك الذي تعوّد على الضجيج، صار ينبض ببطءٍ غريب، ببطءٍ يشبه درسًا في الصبر.

لم تكن الليلة الأخيرة لأنني أردت ذلك…
كانت الليلة الأخيرة لأن الزمن قرّر أن يضع نقطة.
وكلّ ما كان عليّ فعله هو أن أقرأها جيّدًا.

توقّفتُ أمام الباب الذي عرفتُ عنده أكثر لحظات ضعفِي، وأكثر لحظات شجاعتي.
كم مرةٍ وقفتُ هنا وأنا أظن أن العالم يمكن أن يتغيّر بلمسة؟
وكم مرةٍ خرجتُ منه وأنا أشعر بأنني أحمل فصولًا كاملة من الفقد في جيبي؟

هذه الليلة لم يكن هناك أحد ينتظرني.
ولا أحد يودّعني.
وقد فهمتُ حينها درسًا لم أكن ناضجًا لأفهمه من قبل:
إنّ الوداع الحقيقي يحدث في الداخل…
حيث لا شهود، ولا تصفيق، ولا دموع تُرى.

وضعتُ كفّي على الباب.
شعرتُ بحرارته التي تشبه حرارة ذاكرةٍ تحاول ألا تنطفئ.
قلتُ في داخلي:
“ليس الوداع موتًا… الموت هو أن تبقى حيث لم تعد تنتمي.”

رفعتُ عيني إلى السماء، التي صارت أقرب من أي وقت، كأنّها تنحني لتستمع،
وهمستُ:
“يا رب… أعطني معنى لكل هذا الثقل، واجعل في هذا الفقد بداية لا تهدّ الروح.”

ثم أغلقتُ الباب.
لم يكن الإغلاق صوتًا… كان قطعًا، كان فصلًا بين زمنين، بين أنا التي كنتُ، وأنا التي سيحاول الصباح تشكيلها.

سرتُ نحو الفجر الذي لم يولد بعد.
كنتُ أمشي بخفّةٍ لم أفهم مصدرها… كأنّ الألم حين يبلغ أقصاه يتحوّل إلى نورٍ داخلي، إلى معرفةٍ هادئة، إلى يقينٍ بسيط يقول:
“لن يضيع منّا شيء، ما دام في القلب مكانٌ لبدء جديد.”

وفي الطريق، شعرتُ بأنّ جسدي يمشي، لكن روحي كانت تطير ببطء، تحوم فوقي، تراقبني كما لو كانت أمًّا خائفة على طفلٍ يشقّ أول خطوة في المجهول. فهمتُ حينها أنّ النهاية ليست سقوطًا…
بل ارتقاء، ولو بدا مؤلمًا.

عند أول خيطٍ من الفجر، بدا العالم كما لو أنه يُعيد ترتيب نفسه.
الشوارع أقلّ قسوة، الهواء أقلّ ثِقَلًا، والسماء أقلّ ظلامًا.
ولوهلة، شعرتُ أنّ روحي وجدت مقعدًا جديدًا داخل صدري، مقعدًا أنظف، أوسع، وأرحب للحياة.

تلك كانت الليلة الأخيرة…
ليست الأخيرة في العالم، بل الأخيرة في داخلي.
آخر ليلةٍ كنتُ فيها شخصًا لم يعد يشبهني.
أما في الصباح… فقد ولدتُ من رمادٍ كان يجب أن يتناثر منذ سنوات.