” في قلب الأمواج “
بقلم أ.عبد العالي لعجايلية /



اهتزت السفينة على أمواجٍ لا تعرف الرحمة، كوحوشٍ زرقٍ تزمجر بلا صوت، والماء يصفع وجهه كصفعة القدر، والريح تخترق جسده كأنياب الليل الباردة. ارتعش جسده، وأصابع يديه تتشبث بالحافة، كل موجة كانت تصفع قلبه قبل جسده. قلبه يضطرب، وعيونه تبحث عن شاطئ لم يُرَ بعد، لكنه لم يهرب، فكل خفقة كانت صدى روح، وكل نفسٍ كان مرآة لحقيقة تنتظر أن تُكشف.

صرخ البحر بصوتٍ منعم بالأسى: “هل تعرف إلى أين تتجه؟”
أجاب الإنسان بصوت يختنق بين الحيرة والإصرار: “لا… ولكني أعرف أني مضطر للغوص في داخلي، حيث أمواج الروح أكبر وأعمق.”

ارتفعت الأمواج فجأة، أسقطته على أرض السفينة، أعادته إلى الوراء كما لو أن الزمن نفسه يستهزئ به، وأخذ معه صدى الخوف والحنين. شعر بالماء البارد يتغلغل في عظامه، والريح تعصف برئتيه، وكل ضربة موجة كانت درسًا صارخًا: كل خوف شبح، كل ألم مرآة، كل رغبة مكبوتة شعلة تنتظر أن تُضيء الطريق.

جلس على سطح السفينة، يتنفس بصعوبة، يسمع الرياح تتحدث بصمتٍ: “أنت هنا لتكتشف… لا لتنجو… كل موجة درس، وكل هدير دعوة، وكل صمت نور.”

وفي لحظة صمت قاتل، حين خبا القمر خلف الغيوم، رأى في داخله النور الذي كان يبحث عنه في الخارج. لم يكن في البحر، بل في قلبه، ينبض مع كل موجة، يرشده بلا كلمات، كفانوس سري في متاهة الظلام، كمرآة تعكس ذاته بلا تجميل، بلا تمويه، شعاع ضوء يغرق ويطفو مع الأمواج.

هدأت الرياح، استقرت السفينة، وعلى الأفق، خطوط شواطئ بعيدة تلمع كأحلامٍ لم تُكتب بعد، كخيالاتٍ من نورٍ ممزوج بالأمل والحيرة. ابتسم لنفسه، لكن ابتسامته لم تُطفئ الأسئلة: هل كانت الرحلة في البحر، أم في أعماق الروح؟ هل كان الضوء هناك أم هو من صاغه داخله؟

وغاصت السفينة مرة أخرى بين الأمواج، والإنسان يبحر مع ضوء داخلي لا يغرق، أمواج خارجية، وأسئلة لا تنتهي، تتسلق صداه، تلاحقه في كل نسمة، في كل موجة، في كل خفقة قلب…
كل موجة صراع، وكل هدير عاصفة، وكل صمت لحظة وعي… فالبحر مرايا الروح، والروح البحر، وكل غرق نور، وكل ضياع كشف، وكل خوف حكاية لم تكتمل.