كوكب الشرق… حين يتحوّل الصوت إلى ذاكرة الأمة العربية
بقلم بوبكر بلعيد/



في عالمٍ تتغيّر فيه الأذواق بوتيرةٍ سريعة، وتُستبدل فيه الأصوات كما تُستبدل التطبيقات على الهواتف، يبقى صوتٌ واحد قادرًا على إيقاف الزمن… صوتٌ يعيد للروح هدوءها، وللقلب دهشته الأولى. ذلك الصوت هو صوت أم كلثوم، المرأة التي لم تُغنِّ فقط، بل أسّست لما يمكن تسميته «الهوية السمعية» للعرب عبر قرنٍ كامل.

منذ صعودها على الخشبة، لم يكن الجمهور يُصغي إلى مطربة، بل إلى مدينةٍ كاملة من العاطفة. كانت تقف بثبات القائد، وبخشوع المتعبّد، وكأنها تُحاكي السماء قبل البشر. تلك الوقفة وحدها كانت درسًا في الفن: كيف يكون الفنان سيد الخشبة لا بضجيج الحركة، بل بسلطة الحضور.

يقول النقّاد إن أم كلثوم لم تكن تقدّم أغنية، بل تجربة شعورية مركّبة؛ صوتها لم يكن يمرّ عبر الأذن فقط، بل عبر الذاكرة، والحنين، والفقد، والانتظار. لذلك كانت أغنيتها تمتدّ لساعة وأكثر، ليس لأن الزمن كان بطيئًا، بل لأنها كانت تُعيد ترتيب الزمن من خلال موسيقاها.

والحقيقة أن سرّ خلودها لا يكمن في طبقات صوتها فحسب، بل في قدرتها على تحويل المعنى إلى طاقة شعورية. حين تقول “إنت عمري” تشعر أن أحدًا ما يعيد كتابة قلبك. وحين تغني “الأطلال”، تصبح الأطلال أطلال روحٍ لا أطلال حجر. أم كلثوم جعلت من القصيدة فضاءً لتأمل الوجود، لا مجرد كلمات تُلحن وتُغنّى.

ورغم أن الشرق عرف عشرات الأصوات العظيمة، فإن كوكب الشرق لم تُشبه أحدًا، ولم يشبهها أحد. كانت توازنًا نادرًا بين قوة الشخصية، وصرامة الحضور، ونعومة الإحساس. وقدّمت نموذجًا استثنائيًا لفكرة أن الفن ليس ترفًا، بل مشروع وعيٍ وثقافة وهوية.

وإذا كان الزمن قد حمل جسدها بعيدًا، فإن صوتها ما يزال حاضرًا في المقاهي، في الحافلات، في البيوت، وفي الهواتف الحديثة… وكأن العرب، رغم صخب حياتهم وتعبهم، يحتاجون دائمًا إلى تلك الجرعة من الصفاء الذي لا تمنحه إلا أم كلثوم.

هكذا تبقى أم كلثوم ليس فقط مطربة، بل ذاكرة جمالية مشتركة؛ مرآةٌ للوجدان الجمعي، وشاهدٌ على أن الفن العظيم لا يموت… بل يتحوّل إلى كوكبٍ يدور في مدار القلب.

في لحظةٍ قلّ أن تتكرّر، يستيقظ التاريخ من جديد أمام جمهورٍ مشتاقٍ يودّ أن يرى وجهه في مرآة الزمان. لكن حين تصبح هذه المرآة عملًا سينمائيًا، كما في فيلم “الست”، يصبح الأمر أكثر تعقيدًا: بين الحبّ للتاريخ، والخوف من «تشويهه»، وبين الحنين إلى الأصل والرغبة في التجديد.

لماذا “الست” أشعل الجدل قبل أن يُعرض؟

الفيلم — من تأليف أحمد مراد وإخراج مروان حامد — اختار للمرة الأولى منذ سنوات طويلة أن يعيد تقديم سيرة “كوكب الشرق” أم كلثوم، بعد أن ظلّت ذاكرتها محمية ضمن الأرشيف، أو في أعمال قديمة لم تخرج من عباءة “الإجلال” فقط بل من رهبة “القداسة”.
الإعلان الترويجي وحده — 135 ثانية — كفا ليكون شرارة جدل: قسم كبير من الجمهور اعتبر أن ملامح منى زكي لا تشبه صورة أم كلثوم في الذاكرة الجمعية، وأن ثمة فجوة بصرية كبيرة تجعل فكرة “التجسيد” تبدو قبلية على “تحريف” مذكّرة.

على الجانب الآخر، يؤكد مؤلف الفيلم أن الهدف ليس محاكاة بسيطة، بل “إعادة تفسير” حياة فنانة كبيرة، بلغة درامية سينمائية معاصرة. يقيس النجاح اليوم ليس بالشبه الكرتوني بل بقدرة الفنانة على حمل روح “الست” وإنسانيتها، وليس مجرد صورتها.أم كلثوم ليست مجرد مطربة في التاريخ — هي «ظاهرة ثقافية»، سجل في ذاكرة الشرق كله. لذلك، محاولة إعادة إنتاج حياتها تواجه تحديًا كبيرًا: وفاء للذاكرة الجماعية، وفي الوقت نفسه، رغبة في «إعادة خلق» تجربة إنسانية قابلة للفهم في زمن مختلف.

من هذا المنظور، “الست” ليست مجرد فيلم سيرة ذاتية. هو محاولة جريئة لتفكيك أسطورة، لكي يصبح “إنسانًا” وليس مجرد تمثال. لحظات الغضب، الخجل، الصراعات الداخلية، العواطف، الخيانات، الأحلام — كلها بحاجة لأن تُروى بلغة اليوم، لا بلغة عبادة الماضي فقط.

لكن هنا يكمن الخطر: إن كانت ميليشيا “صورة مثالية” لم تستطع أن تقبل أن إنسانًا مثل “أم كلثوم” له “جوانب بشرية”، فالفيلم سيتعرّض ليس فقط للنقد الفني، بل لرفض مجتمعي.

هل البداية مبكرة؟ أم أن الفن حرّ؟

أحد أبرز الانتقادات يركز على “الشكل الخارجي” ، ملامح منى زكي — ويعتبر أن الجمهور لن يقبل «تشويه» صورة منثورة في الذاكرة منذ عقود.

إلا أن مدافعين عن الفيلم يردّون بأن الفن ليس مرآة صماء، بل تفسير: “حتى لو لم تشبه شكلاً، المهم أن تمسك الروح”.

وهذا يقودنا إلى سؤال: هل يكفي التشبه البصري؟ أم أن الأداء، الإخراج، السرد، صدق اللحظة ، هي التي تمنح الفيلم قيمته؟

فيما يرى بعض النقاد  في “الست” فرصة  نادرة لإعادة قراءة شخص يُعتبر من “مقدّسات” الفن، ليس كإله يُعبد، بل كإنسان عاش وبكى وأحبّ وخسر وجرب. إعادة النظر في حياته تمنحنا القدرة على استيعاب الإنسان خلف الأسطورة.

نعم، ثمة مخاطر ، أولها الرفض الأولي لجانب “الشكل”. لكن إذا نجحت منا زكي وفريق العمل في نقل “الجوهر”، قد نكتشف أن «الروح» أهم من «الصورة».

إذا كتب الفيلم نهايته كما يجب، ليس كختم لتاريخ، بل كبداية لحوار جديد ، بين الأجيال وحبّ للتراث ، فربما تكون “الست” مفصلًا مهمًّا في تاريخ إعادة إنتاج ذاكرتنا الجماعية

في زمنٍ قد يسقط فيه كثير من المقدّسات تحت وطأة النسيان أو التغيير — ربما أفضل ما نفعله هو أن نُعيد النظر إليها بجرأة، ليس لندمّرها، بل لنعيد صياغتها بلغتنا، ونتركها حية في حاضرنا ومستقبلنا.