صرخة الروح
بقلم أ. عبد العالي لعجايلية/



أخذني السهادُ فأضحى جسدي أسيرًا في زنزانة الليل، تمتدّ بلا تخوم، كأن العتمة مدّت فوقي عباءتها الثقيلة. وعلى فراشي لم يكن يجاورني سوى التعب، فأغلقتُ عينيّ كمن يغلق أبواب قلعةٍ محاصرة، لتبدأ الرحلة نحو هاويةٍ سحيقة؛ ظلام يلتفُّ حولي ككفنٍ محكم، يضغط على صدري حتى يغدو النفسُ رجعَ صدىً يختفي قبل أن يُسمع.

كنتُ أسبح في بحرٍ من الصمت الأسود، أمواجه تصرخ بي، وأصرخ معها بلا صدى. كلّ دمعة كانت نهرًا جفّ قبل أن يبدأ، وكل سؤالٍ يطرأ على ذهني يتحوّل إلى رعدٍ مكتوم يصطدم بجدارٍ غامض لا يُرى. وكأن العالم كلّه انكمش في صدري، يصطخب كبركانٍ يبحث عن ثغرة لينفجر.

ثم جاءت تلك اللحظة التي انحشرت فيها مصائب الدنيا دفعةً واحدة، فصرتُ ماردًا مقهورًا محبوسًا في فانوسٍ مهشّم؛ تتقاذفني قوى مبهمة، وتتناثر أنفاسي كأوراق شجرةٍ عجوز عصفت بها رياح الشتاء. الجدران تنهار من حولي، والحياة تتناثر كخرزٍ انقطع خيطه، لتصبح لعبةً ضائعة في صحراء المعنى. وكلما حاولت الهرب، ازدادت المتاهة اتساعًا، حتى تماهى الظلام مع جسدي، وصرت لا أدري: هل أحمل الليل، أم الليل يحملني؟

وفي ذروة الانطفاء، انطلقت روحي فجأةً كطائرٍ يفلت من قفصه منذ ألف عام. ارتفعتُ معلّقًا بين السماء والأرض، في فراغٍ بلا حدود، كمن يتذوّق طعم حريةٍ لم يختبرها قط. أحسستُ أنّي كنتُ سجين جسدي منذ الأزل، وأن الصرخة التي صدرت من أعماقي لم تكن أنينًا، بل إعلان وجود، يتردد في عوالم لا ترى الحدود.

حلّقتُ فوق نيران البركان، فوق متاهة الجسد والليل. رأيت نفسي صغيرةً جدًّا أمام اتساع الكون، لكن كبيرة بما يكفي لأحمل صراعاتي، أسئلتي، وجروحي. وكلما ارتفعتُ أكثر، أدركتُ أنّ الظلام لا يبتلع إلا من يرفض التحليق، وأن الفجر ليس ضوءًا خارجيًا، بل مرآةٌ لما نجرؤ على كشفه في أعماقنا.

وحين استيقظت، كنتُ بين وهمٍ وواقع، بين حلمٍ وهاوية. تساءلت:
هل كانت تلك الروح التي حلّقت هي روحي حقًا؟
أم كنتُ أركض في متاهة الأوهام كي أفهم قيودي؟

لم يبقَ لي إلا السؤال، عالقًا بين السماء والأرض:
هل الحرية حقيقة أم وهمٌ جميل؟
وهل يجرؤ الإنسان على التحليق فوق الظلام إلا حين يلامس قعر أسره؟

إنها صرخة الروح؛ الصرخة التي ترتفع حين ينهار كل شيء، لتتردد بين الفضاء والأحلام، بين الألم والرجاء، وتخبرنا بأن كل ظلامٍ قابل للعبور، وكل هاويةٍ طريقٌ نحو الخلاص، وأن الروح لا تموت… بل تظل تحلّق، حتى حين يُغلق الجسد أبوابه عليها.