في مرآة الحكمة: تأمل في النفس والأخلاق
بقلم أ. د – كمال لعرابي/

ليس من الحكمة ان نخلط بين الصمت عن الجاهل وبين التعالي عليه، فالاول فضيلة والثاني نقيصة. من يسكت احتراما لنفسه يدرك ان الرد على كل سفه يهبط به الى مستنقع لا قرار له، اما من يسكت استعلاء فقد جعل من نفسه حكما على الناس، وهو لم يدرك بعد ان الحكمة الحقة تكمن في معرفة متى نتكلم ومتى نصمت، لا في اعتبار صمتنا برهانا على سمو ذواتنا. الفرق دقيق لكنه جوهري، فالاول يصمت لانه يعرف قيمة كلامه ووقته، والثاني يصمت لانه يرى الاخرين اقل من ان يخاطبهم، وشتان بين الموقفين.
والتباهي بالحكمة اشد خطرا من الجهل نفسه، لان الجاهل قد يتعلم يوما، اما المغرور بحكمته فقد اغلق على نفسه باب المعرفة. حين يظن الانسان انه بلغ مرتبة تجعله فوق النقد وفوق التعلم، فقد سقط في وهم اعظم من كل جهل. الحكمة الحقيقية تدرك نقصها وتبحث عن الكمال، تتواضع امام المعرفة ولا تتعالى على الناس. من يصف نفسه بالعاقل ويصف غيره بالجاهل قد نسي ان العقل الحق يعرف حدوده، وان الفراسة الصادقة لا تحتاج الى اعلان او تباه. الغرور يلبس ثوب الحكمة احيانا، لكنه يفضحه عجرفته وادعاؤه.
اما الانحياز الاعمى فهو قبر العقل ومقبرة الانصاف، وليس من الرجولة في شيء ان نقف مع طرف لمجرد انه طرفنا، دون ان نزن الحق بميزان العدل. الرجولة الحقة في الشجاعة على قول الحق ولو على النفس، في الاعتراف بالخطا حين يتبين، في الوقوف مع المظلوم حتى لو كان من خصومنا. من يحسب الشوك حشيشا لجهله بطبيعة الاشياء معذور، لكن من يعرف الشوك ثم يدعي انه حشيش فقد كذب على نفسه وعلى الناس. والاخطر من ذلك من يرى في نفسه البستاني الوحيد القادر على التمييز، متناسيا ان الحقيقة لا تحتكرها عين واحدة ولا عقل واحد.
في النهاية، القيم الحميدة لا تعلن عن نفسها بالكلام المزخرف ولا بالمواقف المتعالية، بل تظهر في التواضع الصادق والانصاف الحقيقي واحترام الاخر مهما كان. الحكمة ان نعامل الناس بكرامة لا ان نتباهى بسكوتنا عنهم، والفراسة ان نفهم دوافع البشر بعمق لا ان نحكم عليهم من برج عاجي، والرجولة ان نقف مع الحق اينما كان لا ان ننحاز لطرف بلا بصيرة. من عرف هذه المعاني حقا لم يحتج الى ان يعلنها، ومن احتاج الى اعلانها فلم يعرفها بعد.
