تراتيل الحرف… ومرثية النور–
بقلم أ.عبد العالي لعجايلية /

ما كنتُ كاتبًا… بل كنتُ جنديًا في معركةٍ لا تُرى،
قلمي رمحي، وحبري دمي، وأوراقي أرض المعركة،
أقاتل بها لا عدواً يُرى، بل ظلالًا تسكن الصدر،
وأشباحًا تنهش العقل،
وجراحًا لا تنزف… إلا حين يُمسك القلب بالقلم.
وُلدتُ في زمنٍ أعمى،
تكسّرت فيه المرايا، وغرقت الطرق في ضبابٍ كثيف،
لم يدلّني أحد، ولم تُضاء أمامي الطرقات،
لكن الله، في ليل وحدتي، أوقد في داخلي نارًا،
نارًا ليست تحرق… بل تُنير،
ومدّ لي من رحم الغيب سراجًا… على هيئة قلم.
ذلك القلم… لم يكن أداة،
بل نداءً من غياهب الخلود،
صرخة من زمنٍ سحيق،
صوتُ المعلوم قبل أن يُكتب، والمكتوب قبل أن يُقرأ،
هو أنا حين أنسى من أكون.
لم أكتب بحثًا عن مجد،
ولا سعيتُ لنيل لقب،
بل لأنني إن لم أكتب… أموت.
وإن سكتُّ، انطفأت أنجم روحي وتهاوت أعمدة وجداني.
فكل حرفٍ أكتبه، هو صرخة مولود خرج من رحم المعاناة،
وكل جملةٍ، مرثيةُ شهيدٍ دفنوه حيًّا في صدر الزمن.
لم أتعلم من الكتب، بل من الندوب،
ومن ليالٍ طويلةٍ حاورتُ فيها السماء بصمتٍ دامٍ،
فتجاوبت معي… لا بكلمات،
بل بإشاراتٍ تسري في وريدي حين أضع القلم على الورق،
كأن الغيب يعزفني، وأنا رجع صدى.
الحروف، في عالمي، لا تسكن السطور، بل تسكنني،
هي وجهي حين يتشظّى،
وصوتي حين يُكمَم،
وماء قلبي حين يجفّ من كل ماء.
السين، عندي، سوطٌ ينزل على ظهر الروح،
والحاء، حريقُ نبيٍّ في بطن الحوت،
والكاف، كآبةُ من لم يُولد في موطنه،
والياء… آهٍ من الياء…
مطرٌ لا يسقط من السماء، بل من العيون.
لستُ من هذه الأرض،
أنا ابن مملكة الأبجدية،
نفيتُ من قبيلتي، لا لأنني عصيتُ، بل لأني رأيت.
ورؤيتي… كانت خطيئتي.
وهكذا، أحمل قلمي كما يحمل الشهيد رايته،
أعلم أن لا أحد سيفهمني،
وأدرك أنني أزرع في أرضٍ لا يُكتب لها أن تُثمر،
لكنني أكتب… لأنني مأمور،
لأنني وقّعت على عهدٍ قديم… يوم خُلقت،
أن أكون حارس الحرف، وراوي الحكايات المنسية.
قلمي مشكاتي في زمنٍ انطفأ فيه كل نور،
أنسج به خرائط التيه،
وأرسم به وجوهًا لم تولد بعد،
وأبكي به عن كل الأفواه المكمّمة،
والأرواح المدفونة في صمتٍ شريف.
أنا لا أكتب… بل أنزف.
أنا لا أختار الكلمات… بل هي التي تختارني.
كل جملةٍ أكتبها، تُنقِذني من غرقٍ محتوم،
وكل صفحةٍ، شاهد قبرٍ فوق جزءٍ من روحي.
وفي النهاية،
حين يُقال إنني كتبت،
فليُقال أيضًا:
قد مات جزء منه في كل كلمة.
