المهرجان الوطني للمسرح المحترف في دورته الثامنة عشرة–
حين يلتقي الوفاء بالذاكرة مع رهانات الإبداع–
بقلم بوبكر بلعيد/

من 22 إلى 31 ديسمبر، يعود المسرح ليحتل واجهته الطبيعية في المشهد الثقافي الجزائري، من خلال الدورة الثامنة عشرة للمهرجان الوطني للمسرح المحترف، التي يحتضنها المسرح الوطني الجزائري محي الدين بشطارزي، في موعد فني بات يشكّل تقليدًا سنويًا لترسيخ فعل المسرح بوصفه ممارسة جمالية وفكرية في آن واحد.
اختارت هذه الدورة أن تُوسم باسم الفنان القدير عبد الله حملاوي، في لفتة رمزية تحمل أكثر من دلالة؛ فهي ليست مجرد تكريم لمسار فني طويل، بل هي استعادة لذاكرة جيل ساهم في تأسيس الحسّ المسرحي الجزائري، وفي بناء علاقة عضوية بين الخشبة والواقع، بين الفن والإنسان. تسمية الدورة باسمه تفتح باب التأمل في معنى الوفاء الثقافي، وفي ضرورة ربط الأجيال الجديدة بجذورها الفنية دون الوقوع في أسر الحنين.
تشارك في هذه الدورة أعمال مسرحية متنوّعة من حيث الأساليب والرؤى والاشتغالات الجمالية، تتنافس على الجائزة الكبرى للمهرجان، في مشهد يعكس تعدّد الأصوات المسرحية في الجزائر، واختلاف مقارباتها لقضايا الإنسان والمجتمع. هذا التنوّع لا يقتصر على الشكل، بل يمتد إلى المضمون، حيث تطرح العروض أسئلة الهوية، الذاكرة، التحولات الاجتماعية، والقلق الوجودي، في محاولة لجعل المسرح مساحة للنقاش والتفكير لا مجرد فرجة عابرة.
ويظلّ المهرجان الوطني للمسرح المحترف، رغم التحديات التنظيمية والرهانات الإنتاجية، محطة أساسية لقياس نبض الحركة المسرحية الجزائرية، وفرصة لفتح الحوار بين المسرحيين، النقاد، والجمهور، حول واقع المسرح وآفاقه المستقبلية. كما يطرح، في كل دورة، سؤالًا مركزيًا: كيف يمكن للمسرح أن يظلّ وفيًا لدوره الثقافي، دون أن يفقد قدرته على التجدد والتجريب؟
في زمن تتسارع فيه وسائل التعبير وتتنافس المنصّات الرقمية على اهتمام المتلقي، يراهن هذا المهرجان على الخشبة كفضاء حيّ، قادر على استعادة الإنسان في عمقه، وعلى مساءلة الواقع بلغة الفن. دورة تحمل اسم عبد الله حملاوي، وتفتح الستار على تجارب جديدة، هي في جوهرها حوار مفتوح بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والرهان.
