الخشبة كبيان ثقافي: قراءة في ختام مهرجان المسرح المحترف 2025
المسرح الجزائري بين الجائزة بوصفها اعترافًا… والفرجة بوصفها موقفًا

بقلم بوبكر بلعيد/



في لحظات الاختتام لا تُقاس المهرجانات بما وُزّع من جوائز فقط، بل بما تطرحه من أسئلة، وبما تكشفه من تحوّلات داخل المشهد الثقافي الذي تنتمي إليه. هكذا أسدل المهرجان الوطني للمسرح المحترف 2025 ستاره، ليس كحدث احتفالي عابر، بل كمحطة دالّة في مسار المسرح الجزائري، حيث تحوّلت الخشبة إلى مساحة بيان، والجوائز إلى مؤشرات على قلق جمالي وفكري يتجاوز حدود المنافسة.

جاء تتويج مسرحية «جنازة أيوب» للمسرح الوطني الجزائري، نصًا وإخراجًا لأحمد رزاق، بجائزة أحسن عرض متكامل، كتتويجٍ مستحق لعملٍ اشتغل على وحدة الرؤية، وتماسك البناء الدرامي، وجمالية الإخراج، مقدّمًا عرضًا وازن بين العمق الفكري ومتعة الفرجة، وبين الانشغال الفني والقدرة على مخاطبة الجمهور.

أما جائزة أحسن إخراج، فقد ذهبت إلى المخرجة موني بوعلام عن عملها «كرنفال روماني» لمسرح قسنطينة الجهوي، في اعترافٍ بجرأة إخراجية اشتغلت على الصورة، والإيقاع، وإدارة الممثل، مؤكدة الحضور المتصاعد للمرأة المخرجة داخل مشهد مسرحي ظلّ طويلًا حكرًا على أسماء بعينها.

واختارت لجنة التحكيم منح جائزة أحسن نص مناصفة بين اليامين بن تومي عن «البردة والمداحة» لمسرح سعيدة، وحميد علاوي عن «غضبة الباي» لمسرح بسكرة، في إشارة واضحة إلى تنوّع الكتابة المسرحية الجزائرية، وقدرتها على استلهام التاريخ، والتراث، والراهن الاجتماعي، ضمن مقاربات درامية مختلفة توحّدها الأسئلة الكبرى.
في الأداء التمثيلي، تألّق اسم رباط عميروش متوّجًا بجائزة أحسن أداء رجالي عن دوره في مسرحية «فلسطين المغدورة» لمسرح تيزي وزو الجهوي، وهو العمل ذاته الذي حصد أيضًا جائزة أحسن أداء نسائي مناصفة بين فريال مجاجي وفريزة شماخ، في اعتراف بقوة الطرح الإنساني والسياسي، وبقدرة الممثل على تحويل القضية إلى إحساس حيّ نابض فوق الخشبة.

كما عادت جائزة أحسن دور رجالي ثاني إلى عبد المنعم خلادي عن مسرحية «لير ملك النحاتين» لمسرح الجلفة الجهوي، فيما نالت فاتن قصار جائزة أحسن أداء نسائي ثاني عن دورها في مسرحية «مفارقة» للمسرح الجهوي للعلمة.

وفي الجوائز التقنية، فاز عبد القادر سوفي بجائزة أحسن تأليف موسيقي عن مسرحية «ذيك الليلة» لمسرح وهران الجهوي، بينما عادت جائزة أحسن سينوغرافيا إلى حمزة جاب الله عن «بونكا بروماكس» لمسرح أم البواقي الجهوي، في تكريس متزايد لأهمية العناصر السمعية والبصرية في بناء المعنى المسرحي.

ومنحت جائزة لجنة التحكيم الخاصة لمسرحية «الهشيم» للمعهد العالي لمهن فنون العرض، دعمًا للتجارب الأكاديمية الشابة، فيما جاءت جائزة عرفان وتقدير للعرض المسرحي «إبادات» وفاءً لذاكرة كاتب ياسين، في لحظة استحضار رمزي لقامةٍ إبداعية ما تزال نصوصها تؤرق الحاضر وتستنطق المستقبل.

اختتم المهرجان دورته بتأكيدٍ صريح على أن المسرح الجزائري، رغم التحديات، لا يزال حيًّا، متحرّكًا، وقادرًا على مساءلة ذاته وواقعه. مسرح يبحث عن توازنه بين المؤسسة والتجريب، بين الذاكرة والراهن، وبين الجمالي والملتزم… مسرح يخطئ أحيانًا، لكنه لا يتوقّف عن الحلم.