فجيعة الكينونة: استحقاق الحق، ومكابدات العناء، ومخاض العدالة في المرايا الفلسطينية

بقلم أ-د كمال لعرابي/


حين ننزع عن القضية الفلسطينية عباءة الشعارات المستهلكة وضجيج الخطابات السياسية العابرة، نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام ملحمة وجودية ممتدة؛ سيرورةٍ من الحرمان الممنهج والفقد المتوارث والاستمرارية العصية على الانكسار. فمنذ نكبة عام 1948 وصولا إلى الجرح النازف في غزة اليوم، يتجلى الواقع الفلسطيني كأطروحة فلسفية بالغة التعقيد، تتجاوز في أبعادها حدود النزاع الحدودي لتلامس جوهر الكينونة الإنسانية، وتطرح الأسئلة الكبرى حول الحق في البقاء، وقداسة الكرامة، وماهية العدالة في عالم أصم.


لقد ذهب الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر إلى أن الإنسان “محكوم بالحرية”، وأنه صانع قدره عبر خياراته المحضة. بيد أن الفلسطيني، على امتداد سبعة عقود ونصف، وُجد في فضاءٍ صودرت فيه كل خياراته؛ لم يملك ترف الاختيار بين البقاء والارتحال، ولا بين المقاومة والاستسلام، بل إن حريته سُلبت حتى في طقوس موته. إن هذا الاستلاب الجذري للحرية يمثل مأزقاً أخلاقيا كونيا؛ فعندما يُجرد الإنسان من صفة “الفاعل التاريخي” ويُختزل إلى “موضوع” تتحكم في مصيره قوى خارجية غاشمة، فإنه يفقد نواة إنسانيته المركزية. وهنا نستحضر “جدلية السيد والعبد” لهيجل، حيث الصراع متمحور حول انتزاع “الاعتراف”؛ غير أن الفلسطيني في هذا الصدام لم يحصد اعترافا بوجوده، بل واجه إمعانا في الإذلال وتواطؤا على التغييب.


إن الجذور الضاربة لهذه الأزمة ليست وليدة الصدفة، ففلسطين لم تكن يوما “خلاء جغرافيا” أو أرضا بلا ذاكرة، بل كانت فضاءً يضج بالحياة لآلاف السنين. مدنها العتيقة، وقراها الضاربة في عمق التاريخ من جنين إلى بيت لحم والقدس، كانت مسرحا للحضارة والذاكرة الجمعية. هذه الذاكرة ليست نصوصا باردة في كتب التاريخ، بل هي وشومٌ محفورة في أجساد الناس، وأرواحٌ تسكن الأطلال القائمة، وحكاياتٌ يرويها الزيتون المعمر. وكما جادل إدوار سعيد في تفكيكه للاستشراق وهيمنة الثقافة، فإن الحرمان من الأرض ليس مجرد فقدان للجغرافيا، بل هو بترٌ للهوية ذاتها. فعندما تُقتلع من أرضك، يُقتلع سياقك الزماني وتُصادر روايتك الشخصية، لتجد نفسك هائما في تيه التاريخ، إنسانا بلا مراسٍ.
ولم تكن “نكبة 1948” حدثا عابرا في أجندة السياسة، بل كانت تمزقا في النسيج الإنساني لا يزال ينزف حتى اللحظة. إن تشريد 750 ألف فلسطيني وتحويل الملايين إلى لاجئين ليس مجرد رقم إحصائي جاف، بل هو مأساة بشرية كونية. فخلف كل رقم يكمن عالمٌ بأكمله، وأحلامٌ أُجهضت في مهدها. وتأكيدا لمقولة تولستوي: “إذا أردت أن تفهم الحرب والسلام، فاسأل فردا واحدا عن حياته”، فإن فهم النكبة يكمن في إنصاتنا لقصص المهمشين؛ لامرأة تركت باب بيتها مواربا على أمل عودة لم تتحقق، ولطفل وُلد في زحام المخيم، لا يعرف من وطنه سوى مفتاحٍ صدئ يحمله كتميمة لحلمٍ مستحيل.


وفي مقاربة العنف، ميز والتر بنيامين بين “عنف السلطة” الرامي لتكريس النظام، و”العنف الثوري” الساعي للتحرر. لكن هذا التمييز يغدو شائكا حين نسقطه على الواقع الفلسطيني؛ فالإنسان الذي يرى أرضه تُبتلع، وبيته يُهدم، وحقوقه تُنتهك جهارا، لا يجد أمامه خيارات “نقية” للمقاومة. إنه يعيش حالة من الاستلاب والاضطرار للدفاع عن وجوده بكل ما أوتي من بأس. غير أن هذا الاضطرار يولد معضلة أخلاقية مأساوية؛ فحين يختلط الدفاع عن النفس بتبعات العنف القاسية، يغدو المشهد رماديا من الناحية الأخلاقية. وكما يرى جان لوك نانسي، فإن العنف ليس أداة محايدة، بل هو نارٌ تشوه مَن يمسك بها. لذا، تظل المقاومة الفلسطينية، في جوهرها، صرخة مشروعة ضد المحو، وإن جعلت الوسائلُ والظروفُ المعقدةُ من النقاش الأخلاقي حولها فضاءً شائكا يدمي الضمير الإنساني.


حين ننعطف ببوصلة التأمل نحو الراهن المعاصر “حيث غزة: في متاهة “الحياة العارية” وصرخة الحق الطبيعي”.. وتحديدا نحو ما يتجرعه الغزيّون اليوم، نجد أنفسنا وجها لوجه أمام تراجيديا إنسانية تفتت صخور الخيال. غزة، تلك الرقعة الضيقة المزدحمة بنبض مليونين وثلاثمئة ألف إنسان، لم تعد مجرد جغرافيا، بل استحالت “سجنا سماؤه من رصاص”. إنه ليس سجنا توجزه القضبان والأسلاك فحسب، إنما هو معتقلٌ شيدته هندسة الحصار، وأثثه الجوع، وسيجته المخاوف. منذ عام 2007، وغزة تئن تحت وطأة فقر مدقع وبطالة تنهش أحلام الشباب، في ظل انهيارٍ متسارع لبنيتها التحتية، حتى بات الأطفال يولدون ويشيبون داخل حدود هذا القفص الكبير. وهنا يبرز السؤال الأخلاقي الحارق: هل يصح أن يكون الوجود بحد ذاته ذريعة لعقاب جماعي؟ لقد أرسى الفيلسوف الألماني “إيمانويل كانط” قاعدة ذهبية مفادها أن العقاب يجب أن يكون فرديا، يصون كرامة الإنسان ولا ينحدر لمستوى الانتقام الغريزي. غير أن المشهد في غزة ينسف هذا المبدأ؛ حيث يُساق شعبٌ بأكمله إلى مقصلة العقاب، فيُحاسب الرضيع على ما لم ترتكبه يداه، وتدفع الأم ضريبة قراراتٍ لم تشارك في صياغتها.
ومع اشتعال شرارة النزاع في أكتوبر 2023 وما تلاه من فصول دموية، بلغت المحنة الغزية ذروة من الدمار لم يدركها سجل الأوجاع من قبل. آلافٌ التحقوا بقوافل الموت، وعشرات الآلاف يعانون لوعة الجراح، وملايين الهائمين على وجوههم في رحلات نزوح لا تنتهي. تحولت المدارس والمستشفيات إلى أطلالٍ دارسة، ومُحيت عائلات بكاملها من السجل الوجودي وكأنها لم تكن يوما. ولعلّ أشد ما يورث الغصة هو أن هذا المحو يحدث تحت أنظار العالم؛ يراه بملء عينيه، لكنه يراوح بين العجز والتعامي. هنا يتجسد مفهوم “الحياة العارية” الذي نظّر له الفيلسوف “جورج أغامبين”؛ تلك الحياة التي جُرّدت من غطائها القانوني، وحُرمت من الحماية الإنسانية، لتغدو مجرد “جسد” متاحٍ للاستباحة، بلا حقوق، بلا كرامة، وبلا بواكٍ.
بيد أن الوجع الأكبر يكمن في “رتابة المأساة”؛ فالفلسطيني لم يختبر هذا الجحيم للمرة الأولى. الحصار ليس طارئا، والدمار ليس حدثا عابرا، والقتل ليس بدعاً من القول. إنها سلسلة متصلة من القهر، بلغت من البشاعة حدا جعلها تبدو وكأنها قدرا مزمنا. هذا الاستمرار ليس مجرد تراكم زمني، بل هو معولٌ يهدم السكينة النفسية. وفي هذا السياق، تطل علينا “السلطة الحيوية” لـ “ميشيل فوكو”؛ تلك السلطة التي لا تكتفي بالتحكم في الجسد، بل تتوغل في مسارب الحياة وتفاصيلها الدقيقة. إنها سلطةٌ تتحكم في لقمة العيش، وشربة الماء، ومقاعد الدراسة، وحتى في نبضات القلب وموعد الرحيل.


وسط هذا الركام، ينبثق السؤال: كيف يظل الإنسان إنسانا في قلب هذا العدم؟ كيف يذود عن حياض كرامته وآماله وهي تذروها الرياح؟ كتبت الفيلسوف “سيمون فايل” عن “التجذر” كحاجة إنسانية مقدسة للانتماء، لكن الفلسطيني يجد نفسه مقتلعا من جذوره، معلقا في برزخٍ بين ماضٍ مسلوب وغدٍ يكتنفه الغموض. ليس لديه سوى “الآن” الموحش، وصراعٍ يومي من أجل البقاء. ومع ذلك، يثبت الفلسطيني أنه عصيٌّ على الانقراض، مقاوما بمجرد إصراره على الوجود، معلنا أن الحضور في حد ذاته هو فعل تمرد.
ختاما، نعود إلى جوهر “الحق الطبيعي” كما صاغه “جون لوك”؛ ذلك الحق الذي لا تمنحه الحكومات ولا تسلبه القوانين: الحق في الحياة، والحرية، والتملك. إنها حقوق سابقة على كل عقد اجتماعي، ومنغرسة في طبيعة البشر. لكن الفلسطيني يجد نفسه محروما حتى من هذه الفتات؛ فحياته مهددة في كل ثانية، وحريته مكبلة بالأسوار، وأرضه ساحة صراع مستديم. وإذا كان انتهاك هذه الحقوق -كما يقول لوك- يمثل جريمة ضد “الطبيعة الإنسانية”، فإن ما يحدث في غزة هو زلزالٌ يضرب القيم الأخلاقية التي تواضع عليها البشر، وجريمةٌ كبرى تُرتكب في حق الفطرة الإنسانية ذاتها.


وإن دلفنا إلى رحاب العدالة، فحقَّ لنا أن نتساءل: أيَّ معنىً ترتديه العدالة في هذا السياق المثقل بالجراح؟ لقد صاغ الفيلسوف الأمريكي “جون رولز” مفهومه للعدالة بوصفها “إنصافا”، داعيا إيانا إلى تجربة ذهنية نتخيل فيها مجتمعا نقف فيه خلف “حجاب الجهل”، حيث لا نعرف مسبقا من نكون أو أين سنوضع، ومن هناك نستنطق ضمائرنا عن ماهية النظام الذي نرتضي أن يحكمنا. وإذا ما أسقطنا هذا المبدأ على مأساة الصراع الفلسطيني، وُضعنا أمام السؤال : لو قُدّر لك أن تولد دون أن تعرف إن كنت ستكون فلسطينيا أم إسرائيليا، فأي نظام عدالة ستنشد؟ يقينا، لن يختار عقلٌ سويٌّ أن يولد في غيابة سجنٍ كبير، أو أن يُضرب عليه حصارٌ خانق، أو أن يُوصم بأنه إنسانٌ من الدرجة الثانية. إن المنطق الأخلاقي الصرف يجنح دوما نحو نظامٍ يصون كرامة الجميع وحقوقهم على قدم المساواة، دون ميزٍ أو تفضيل.


بيد أن للعدالة وجهاً آخر، وجهاً يلتفت إلى ندوب الماضي وإقرار الألم؛ وهو ما أسماه الفيلسوف الفرنسي “بول ريكير” بـ “العدالة الانتقالية”، مستعرضا كيفية عبور المجتمعات من ضيق الصراع إلى فضاء السلام. لقد شدد ريكير على حتمية الاعتراف بالضحايا، ليس فقط كأرقام، بل كآلامٍ حية وحقوقٍ مهضومة تستوجب التعويض. فالفلسطيني الذي انتُزعت منه أرضه واستُلب منه أحباؤه، يملك حقا أصيلا في أن يُعترف بمظلوميته، وحقاً في جبر ضررٍ حقيقي. إن الأمر هنا لا يتوقف عند حدود المال، بل هو استردادٌ للكبرياء الجريح؛ إنها وقفة اعتذار أخلاقية تُقال فيها للضحية: “ما حدث لك كان خطيئة، وأنت جديرٌ بالاحترام الإنساني الكامل”.


ومع ذلك، تبرز إشكالية شائكة في مسألة التعويض: مَن ذا الذي يقع عليه عبء الجبر؟ هل هي إسرائيل وحدها؟ إن هذه الدولة والتي اعترف بها أزلامها، لم تكن سوى ثمرةٍ من ثمار “النكبة”، ولم تكن الفاعل الوحيد في مسرح التاريخ. فهناك القوى الدولية الكبرى، والإرث الاستعماري البريطاني، والأنظمة الإقليمية التي تقاعست عن نصرة الحق الفلسطيني. وهنا نستحضر الفيلسوف الألماني “يورغن هابرماس” وحديثه عن “الديمقراطية التواصلية”، التي تقوم على الحوار النزيه والمكاشفة الحقيقية. وفي هذا الحوار التاريخي، يتعين على كافة الأطراف الإقرار بأدوارهم ومسؤولياتهم عن استمرار هذا النزيف. فالعدالة الناجزة قد تتطلب اعترافاتٍ من كل القوى التي تآمرت أو صمتت، وتعويضات من كل الجهات التي اقتاتت على حرمان الفلسطيني من أبسط حقوقه. ثم تطل علينا معضلة الذاكرة والنسيان؛ حيث أشار “فريدريك نيتشه” إلى أهمية “النسيان” كفعل ضروري لبناء حياة جديدة، لكنه نسيانٌ لا يعني المحو، بل إعادة صياغة العلاقة مع الماضي. الفلسطيني لا يطلب من العالم أن يطوي صفحة تاريخه كأنها لم تكن، إنما يطالبه بالإقرار بتفاصيلها الموغلة في القسوة. فالاعتراف بالماضي هو الجسر الوحيد والمحكم نحو مستقبلٍ أقل وحشية. وهنا يحذرنا “أنطونيو غرامشي” من “الهيمنة الثقافية”، موضحا أن السلطة لا تُبسط نفوذها بالحديد والنار فحسب، وإنما باستعمال السيطرة على الوعي والسردية الجماعية. فإذا ملكت السلطة زمام الرواية التاريخية، استطاعت اغتيال الحقيقة في الأذهان. وهذا هو الهاجس الأكبر للفلسطيني: أن تتبخر قصته من سجلات التاريخ، وأن تُعاد كتابة مأساته بأقلام جلاديه، ليجد نفسه غريبا في ذاكرة وطنه.
وفي هذه اللحظة الراهنة، والعالم يرقب عبر شاشاته مشاهد الركام وأشلاء الفناء في غزة، ينبثق سؤال أخلاقي حادّ النصل: ما الذي يجعل حياة الفلسطيني أقل شأنا في ميزان الإنسانية؟ لماذا نعدُّ قتلى الجانب الآخر فردا فردا وبكثير من الرثاء، بينما يتحول القتلى الفلسطينيون إلى مجرد إحصائياتٍ صماء لا تهتز لها الضمائر؟ لقد تحدث “أمارتيا سن” عن “السعة الإنسانية”(Capabilities)، مؤكدا حق كل فرد في العيش بكرامة، والوصول إلى المعرفة والصحة والعمل. إن حرمان الإنسان من هذه المقومات هو وأدٌ لإنسانيته وإجهاضٌ لفرصه في عيش حياة مكتملة. وهذا هو الجرح الغائر الذي يعيشه الفلسطيني، لا سيما طفل غزة الذي لم يعرف من الدنيا سوى حصارٍ خانق وحروبٍ لا تبقي ولا تذر.
تنبثقُ هنا تساؤلاتٌ جوهرية حول ماهية الذنب وتجليات التاريخ: هل يُساق جيلٌ بجريرة سلفه؟ وهل يصحُّ أخلاقيا أن نحمّل الحاضر أوزار الماضي؟ لقد استشرف الفيلسوف الألماني “كارل ياسبرز” آفاق “الذنب الجماعي”، باحثا في كيفية تحمل المجتمع لمسؤولية آثامٍ ارتكبها بعض أفراده. بيدَ أنَّ ثمة هوّةً شاسعة بين “المسؤولية التاريخية” التي تمليها الأخلاق، وبين “العقاب الجماعي” الذي يفرضه الاستبداد؛ فالفلسطينيون اليوم لم يصنعوا نكبتهم بأيديهم، بل هُم ضحايا متوالية من الأحداث القدرية والسياسية التي بدأت فصولها قبل أن تُبصر عيونهم النور. إنَّ محاصرتهم في زنازين العيش القاسي لا يمتُّ للعدالة بصلة، بل هو “انتقامٌ” يتنكر بزيِّ الحق.
وإذا ما ولّينا شطر فلسفة المقاومة، ألفينا المشهد يزداد تعقيدا وتشابكا؛ فحقُّ الشعوب المقهورة في الذود عن كرامتها حقيقةٌ أجمع عليها المفكرون قاطبة، من أقصى اليسار إلى أطياف الليبرالية. لكنَّ الجدل يثورُ حول “كيمياء” هذه المقاومة؛ ففي حين اجترح غاندي فلسفة “اللاعنف” والمقاومة السلبية مذهبا مطلقا، يبرزُ تساؤلٌ وجودي أخر، ألا وهو: أليس اللاعنف ترفا يتطلبُ حدا أدنى من الرفاهية والأمان؟ فحينما يطوقك الجوع ويغتالك الخوف، يغدو اللاعنف رفاهيةً قد لا تملك ثمنها. وهنا يستحضرنا الفيلسوف الفرنسي “ليوتار” في حديثه عن “الاختلاف”، موضحا أن الضعيف لا يمتلك ترف منازلة القوي بأسلحته وقواعده؛ فإذا ما فُرِضت عليك شروطٌ جائرة، توجب عليك اجتراح مسارات غير تقليدية للمواجهة، لا تنحني لقواعد الخصم.
ومع ذلك، يظلُّ للعنف ضريبةٌ وجدانية تنالُ من قوامِ ممارسه؛ فالعنفُ، وإن تلبّس بلبوسِ المشروعية الأخلاقية، يمتلكُ قدرة مخيفة على تطبيع القسوة في الروح وتصليد نياط القلب. وهنا يبرزُ صوت “نوام تشومسكي”؛ فرغم نقده اللاذع للإمبريالية، لا يزال متمسكا بخيط الحوار ومنطق السلام، مؤكدا أنَّ الحفاظ على “جذوة الإنسانية” في أحلك الظروف ظلما ليس ضعفا، وإنما هو أسمى مراتب القوة؛ أن تختار إنسانيتك في اللحظة التي يسعى فيها الآخرون لنزعها عنك عنوة.
وبالاستشرافِ نحو آفاقِ الحل العادل، يستوقفنا “إيمانويل ليفيناس” بمفهومه عن “المسؤولية غير المشروطة تجاه الآخر”؛ إذ يرى أننا مسؤولون عن “الآخر” حتى قبل أن نتبين ملامحه. إنها مسؤوليةٌ وجودية تقعُ على عاتق كل من يملكُ القوة أو القدرة على وضع حدٍّ لآلام الفلسطيني؛ فالصمتُ هنا ليس حيادا، بل هو انحيازٌ أخلاقي سلبي يشرعن المعاناة.
إنَّ ملامح العدالة المنشودة تقتضي صيرورةً تضمنُ العودة إلى الديار، أو جبراً حقيقياً للمظالم إن استعصت العودة. تقتضي كسر أغلال الحصار عن غزة، وترميم ما هدمته آلات الحرب، وإخضاع مجرميها لميزان الحساب. إنها تتطلبُ اعترافا متبادلا بالحقوق والكرامة الإنسانية التي لا تتجزأ. ورغم انحياز “روبرت نوزيك” لـ “الحق الطبيعي في الملكية”، إلا أنه أقرَّ بضرورة إعادة توزيع الموارد لتصحيح المظالم التاريخية. وفي الحالة الفلسطينية، فإنَّ استلاب الأرض بتلك الفجاجة يخلقُ واجبا أخلاقيا لا يسقط بالتقادم على كل من انتفع من هذا الاغتصاب. لكنَّ، المطلب الأكثر إلحاحا، والذي يتجاوز كل النظريات، هو “الاعتراف بإنسانية الفلسطيني”. في عالمٍ مهووس بالأرقام والإحصائيات التي تحوّل المأساة إلى بيانات صماء، وفي فضاء تمحو فيه الشاشات البعيدة حرارة الدموع، يظل السؤال الأخلاقي الحارق: هل بوسعنا رؤية الفلسطيني كإنسان مكتمل الوجود؟ هل نستطيع الإصغاء لسرديته دون أحكامٍ مسبقة، والشعور بوجعه كما نشعر بوجع أي إنسان نحبه؟
إنَّ معاناة غزة ليست خبراً عاجلاً في نشرةٍ مسائية، بل “نزيفٌ” حقيقي لأرواحٍ حقيقية؛ للفتاة التي رأت مدرستها تتحول إلى ركام بعد أن تعلمت فيها أبجدية الحلم، وللصبي الذي بترت الحربُ كفيه قبل أن يلامس مِبضع الطب الذي حلم به، وللأم التي تقتاتُ على الذكريات وهي تحاول صنع خبز للأمل من دقيقٍ مخضب بالمرارة. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في معادلة سياسية؛ إنهم بشر، وكلُّ واحد منهم يستحقُ أن يشرق عليه فجرُ الحياة الكريمة.
دونّت الفيلسوفة سيمون فايل قُبيل وفاتها تأملا عميقا مفاده: “إن الجائعين يتطلعون إلينا ليسألونا عن العدالة لا عن الميتافيزيقيا؛ فالسؤال عن وجود الرب يتضاءل أمام غياب العدل”. وفي ظل المشهد الفلسطيني الراهن، حيث يتضور الإنسان جوعا ويحاصره القهر، يتحول السؤال عن العدالة من حيز التجريد إلى ضرورة وجودية مُلحة. إن استحقاق العدالة يتجاوز حدود الخطابة؛ إنه يستوجب إرادة أخلاقية صلبة تنشد الكرامة الإنسانية كحق مطلق لا يقبل التجزئة بناءً على عرقٍ أو معتقد.


قد تتبدى الحقيقة الختامية في ملامح غارقة في القتامة؛ إذ لا حلول سحرية تلوح في أفق صراع استطال لقرن من الزمان، وضَرَبت جذورُه في أغوار سحيقة تتجاوز حسابات السياسة وتوازناتِها العابرة. غير أنَّ هذا التعقيد المُضني لا ينبغي أن يكون مسوّغا للارتداد أو الاستكانة، بل هو نداءٌ ملحٌّ لمواصلة الكفاحِ في سبيل العدالة، وانتزاع الاعتراف بالحقوق السليبة؛ تطلعا لإرساء منظومة إنسانية تضمن لكلّ فرد – وفي طليعتِهم الفلسطينيُّ – حقَّه الأصيل في حياة تفيض بالكرامة وتسمو بالإباء.