«الهاربات»… حين ينتصر المسرح العربي من القاهرة–
بقلم الصحفي والفنان بوبكر بلعيد /

من القاهرة، المدينة التي تعرف كيف تُنصت للمسرح حين يتكلّم، خرج اسم «الهاربات» عاليًا، متوَّجًا بجائزة سموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عمل مسرحي، في الدورة السادسة عشرة لمهرجان المسرح العربي.
لم يكن الفوز لحظة تتويج عابرة، بل كان إعلانًا جماليًا واضحًا عن حيوية المسرح التونسي، وعن قدرة المسرح العربي، متى أُتيحت له المساحة، أن يلامس جوهر الإنسان وأسئلته الكبرى.
جاء عرض الهاربات محمّلًا بكثافة إنسانية وجمالية لافتة، منسجمًا في رؤيته الإخراجية، جريئًا في طرحه، صادقًا في أدائه، ومتماسكًا في بنائه الدرامي. عمل لا يكتفي بالحكي، بل يُفكّر، ويُحاور، ويضع المتفرّج في قلب السؤال لا على هامشه. لذلك لم يكن مفاجئًا أن يحظى بإجماع نقدي وجماهيري، وأن يعتلي منصّة التتويج عن جدارة.
إنّ هذا التتويج ليس انتصارًا لعرض بعينه فحسب، بل هو انتصار للحركة المسرحية التونسية، التي ما فتئت تؤكّد، دورة بعد أخرى، حضورها القوي في المشهد المسرحي العربي، من خلال تجارب تراهن على العمق، وتقاوم السهولة، وتؤمن بأنّ المسرح فعل وعي قبل أن يكون فرجة.
كما أنّ فوز الهاربات يُعيد التأكيد على الدور الحقيقي لمهرجان المسرح العربي:
ليس مجرّد تظاهرة للاحتفاء بالعروض، بل فضاء عربي مشترك لتقاطع التجارب، وتلاقح الرؤى، وطرح الأسئلة الجمالية والفكرية حول راهن المسرح ومستقبله. دورة القاهرة جاءت لتؤكّد هذا الرهان، سواء على مستوى التنظيم، أو غنى العروض، أو عمق النقاشات التي رافقتها.
من هنا القاهرة، يمكن القول إنّ هذه الدورة كانت نجاحًا جماعيًا للمسرحيين العرب، الذين أثبتوا أنّ المسرح، رغم كل الأزمات، ما يزال قادرًا على الصمود، وعلى إنتاج المعنى، وعلى الدفاع عن الإنسان في زمن التهميش والضجيج.
مبروك لتونس هذا التتويج المستحق.
مبروك لكل المسرحيين العرب نجاح هذه الدورة من مهرجانهم.
