فنون العرائس تعود إلى  القاهرة لتحتفي بمسرح الخيال العربي

بقلم الصحفي والفنان بوبكر بلعيد/



في أعقاب اختتام الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي، لا تغادر القاهرة نبض المسرح، بل تواصل الإصغاء إلى صوته الآخر… الصوت الذي يأتي من الخيال، من الدمى والعرائس، من ذلك الفن البسيط في شكله، العميق في أثره.
القاهرة تحتضن الدورة الخامسة من الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى والفنون المجاورة خلال الفترة الممتدة من 21 إلى 23 جانفي 2026، في تظاهرة تنظمها الهيئة العربية للمسرح بالشراكة مع وزارة الثقافة المصرية، وبمشاركة عربية واسعة، تؤكد مرة أخرى أن هذه المدينة ليست مجرد عاصمة سياسية، بل فضاء تاريخي للفرجة والمعنى.
الملتقى ليس حدثًا عابرًا، بل مساحة فنية وفكرية متخصصة تعيد الاعتبار لفنون العرائس والدمى بوصفها أحد أقدم أشكال التعبير الإنساني، وأكثرها قدرة على التحول والتجدد. هنا، لا تُخاطَب الطفولة وحدها، بل يُستدعى الوجدان الجمعي، ويُفتح حوار جمالي مع الذاكرة، ومع الأسئلة المعاصرة للإنسان العربي.
وتنتشر فعاليات الملتقى في قلب القاهرة الثقافية، من المجلس الأعلى للثقافة إلى مسرح القاهرة للعرائس، مرورًا بمسرح متروبول، الهناجر، بيت السحيمي، والحديقة الثقافية بالسيدة زينب. تنوّع الفضاءات ليس تفصيلاً تنظيميًا، بل هو جزء من الرؤية: إخراج فنون العرائس من القاعة المغلقة، وإعادتها إلى الناس، إلى الشارع، إلى الحياة.
وتُشرف على هذه الدورة لجنة تنفيذية يقودها الأستاذ إسماعيل عبد الله، الأمين العام للهيئة العربية للمسرح ورئيس الملتقى، رفقة نخبة من الأسماء المسرحية والأكاديمية، في عمل جماعي يسعى إلى تقديم دورة متكاملة، تعكس ثراء هذا الفن وتعدّد مقارباته في العالم العربي.
برنامج الملتقى يزاوج بين العرض والتفكير، بين المتعة والمعرفة. عروض عرائسية مصرية وعربية ودولية، موجهة للأطفال والكبار، إلى جانب عروض حكي وموسيقى، وثماني جلسات فكرية تطبيقية تحت عنوان «سر الصنعة»، يفتح خلالها فنانو العرائس ورشاتهم الداخلية، ويكشفون أسرار المهنة، وتجاربهم مع الخشب، القماش، والصوت. كما تحضر ندوة خاصة بصون فن الأراجوز، هذا الرمز الشعبي المصري، بوصفه تراثًا حيًا لا يُحفظ في المتاحف، بل على الخشبة وفي الذاكرة.
ويوازي ذلك تنظيم المعرض الثالث للدمى والعرائس بقاعة آدم حنين بمسرح الهناجر (من 21 إلى 26 جانفي 2026)، بإشراف الفنان وليد بدر، حيث تتحول الدمى إلى أعمال فنية قائمة بذاتها، تكشف جماليات التصميم، ودقة الصنعة، وفلسفة التحريك.
وفي لحظة وفاء نادرة، تكرم الدورة الخامسة ثلاثة من رواد فنون العرائس في الوطن العربي:
محمد كشك من مصر، قادة بن سميشة من الجزائر، وعبد السلام عبده من فلسطين؛ أسماء صنعت مسارات، وراكمت تجارب، وأسهمت في نقل هذا الفن من الهامش إلى قلب الفعل الثقافي.
الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى لا يحتفي بالفرجة فقط، بل يؤكد أن هذا الفن قادر، اليوم، على التعبير عن قضايا الإنسان، ومساءلة الواقع، ومخاطبة الوعي بلغة بسيطة، لكنها نافذة. هنا، تلتقي الدهشة بالجمال، ويلتقي الطفل بالمفكر، ويستعيد المسرح أحد وجوهه الأكثر صدقًا.
مرة أخرى، تفتح القاهرة ذراعيها للخيال العربي، وتقول إن المسرح، مهما تغيّرت أشكاله، يظل فعل حياة… ما بقيت الحياة.