حين بكى النص وتواطأت الأقنعة–
بقلم أ.عبد العالي لعجايلية /

مرثية الوعي في زمن المسرحة الكبرى–
ليس المسرح مكاناً، بل حالة وعي حين يفقد مركزه. وليس القناع وجهاً آخر، بل هو الوجه حين ينسى أنه قناع. هنا، لا نروي حكاية، بل نرصد ارتجاف المعنى وهو يُنتزع من جذره ليُعاد زرعه في تربة الزيف.
على خشبةٍ خرساء، لا تُنصت إلا لارتداد الخطى، كان المعنى يُقاد لا ليُعدم، بل ليُعلّق بين الحياة والموت. لا شهادة تُمنح له، ولا قبر. فقط بقاءٌ قاسٍ في منطقة رمادية، حيث لا الصراخ مسموح ولا الصمت نجاة.
لم تكن رقصة الإنسان سوى دورانٍ حول فراغٍ مُقدّس. جسد يتحرك ليقنع نفسه أنه حيّ، وفكرة تُكرر كي لا تُسأل. الإيقاع محفوظ، لكن المصدر منسيّ. والخطوة متقنة، لكن الاتجاه ضائع. هكذا يولد الطقس حين يُنفى المعنى.
في هذا المقام، لا يتحرك الجسد، بل تتحرك البنية الخفية للطاعة. الخوف هنا لا يُعلن عن نفسه، بل يتقن التنكّر في هيئة ذوق، وفي صورة إجماع، وفي لغة حداثية لا تحتمل الشك.
المخرج…
هو ليس فرداً، بل وظيفة أنطولوجية. عينٌ ترى ما يُسمح برؤيته، وتقصّ من المشهد ما قد يوقظ السؤال. لم يُقتل المخرج، لأنه لم يولد حراً. لقد شُكّل منذ البداية ليكون وسيطاً بين الفراغ والتصفيق. رؤيته لا تصدر عن قلق، بل عن حساب. لا يسأل: ماذا أقول؟ بل: كيف لا أُربك؟ هكذا يتحول الإخراج إلى علم لإدارة الخواء، وإلى تقنية لإخفاء العدم خلف الإضاءة.
والنص…
النص كائنٌ يتيم. وُلد ليُزعج، فانتهى موظفاً. لم يُسمح له أن يكون لغزاً، فاختُزل إلى رسالة. ولم يُترك له أن يصمت، فحُشو حتى فقد صوته. بكاء النص ليس عاطفة، بل إدراك متأخر بأنه صار شاهداً على جنازته. جملة تُنطق دون أن تُفهم، واستعارة تُصفّق لها العيون دون أن تمرّ بالوعي.
الأقنعة…
ليست أدوات تمثيل، بل طبقات وجود. كل قناع يُنقذ صاحبه من مواجهة الفراغ الداخلي. لا أحد يسأل: من أنا؟ بل: أي قناع يضمن لي البقاء؟ القناع هنا فضيلة، والوجه تهمة. من تجرّد، انكشف. ومن انكشف، أُقصي. وهكذا، لم يعد الزيف خيانة، بل نظاماً أخلاقياً كاملاً.
الجمهور ليس جمعاً من الأفراد، بل وعياً سائلاً. يصفق كي يثبت وجوده داخل السرب. يخاف الصمت، لأن الصمت يُعيده إلى ذاته، والذات مهجورة منذ زمن.
الحداثة…
ليست زمناً، بل استعجال بلا بوصلة. ليست تحوّلاً، بل قطيعة مع الجذر دون معرفة الوجهة. حداثة تخشى العمق لأنه لا يُختصر، وتخاف السؤال لأنه لا يُستهلك. هي تاج من ورقٍ مبلل، وقصر لغويّ مقام على طين النوايا. صاخبة بما يكفي لإخفاء خوائها، وناعمة بما يكفي لتمريره.
نُمثّل الحزن كما نُمثّل الفرح: بوصفه دوراً. نضحك لأن النص يطلب ذلك، ونبكي لأن الإضاءة تسمح. أما الألم الحقيقي، فيُترك خلف الستار، بلا لغة.
هناك، حيث لا جمهور ولا كاميرات، يقف الوعي عارياً. لا قناع ينقذه، ولا تصفيق يواسيه. فقط سؤال واحد يتردد بلا صوت: هل ما نعيشه تمثيل… أم أننا نسينا كيف نعيش؟
إنها مأساة لا تُحكى، بل تُستشعر. ليست في سقوط المسرح، بل في تحوّل الوعي إلى خشبة. وفي ارتقاء الصدى مكان الصوت. وفي انحناء المعنى أمام نظام لا يعترف إلا بما يُصفَّق له.
لسنا داخل العرض، نحن العرض. ولسنا ضحاياه فقط، بل مخرجوه الخفيون. نكتب النص، نلبس القناع، نرفع الستار، ثم نسمّي هذا كله: فناً.
