رويشد… آخرُ من جعل الجزائر تضحك بصدق

في ذكرى رحيل أحمد عياد… فنانٌ صار وطنًا من ضحكة

بقلم بوبكر بلعيد /

_____________________________________



ليس من السهل أن تكتب عن رويشد دون أن تشعر أنك تكتب عن الجزائر نفسها…
عن ذلك المزاج الشعبي الذي يبتسم كي لا ينهار، ويسخر كي لا يُهزم، ويحوّل الوجع إلى نكتةٍ ذكية تحفظ للإنسان كرامته وسط قسوة الحياة.
في ذكرى رحيله، لا يعود رويشد مجرد ممثل كوميدي راحل، بل يعود كأيقونة ثقافية، كجزء من الذاكرة الجماعية، كفنان لم يضحك الناس فقط… بل جعلهم يرون أنفسهم في المرآة دون خوف.
هو رويشد
(28 أفريل 1921 – 28 جانفي 1999)
واسمه الحقيقي أحمد عياد، ابن منطقة القبائل، وأحد رواد المسرح والسينما الجزائرية، الذي لم يكن يمثل الدور… بل كان يعيش الشخصية كما يعيش المواطن يومه.
من أحمد عياد إلى “رويشد”… الاسم الذي صار علامة شعبية
وُلد أحمد عياد سنة 1921 في الجزائر، واختار لاحقًا اسم “رويشد”، المشتق من اسم الفنان الكبير الراحل رشيد قسنطيني الذي كان معجبًا بفنه.
لم يكن الاسم مجرد لقب فني… بل كان امتدادًا لجيلٍ كامل من الفنانين الذين صنعوا الكوميديا الجزائرية كفنٍّ له معنى، لا كضحكٍ مجاني.
رويشد لم يدخل الفن من باب الشهرة، بل من باب الحياة… من الشارع، من الناس، من التفاصيل الصغيرة التي تصنع هوية بلد.

بدأ رويشد مسيرته الفنية في الأربعينيات، مع فرقة رضا باي للمسرح الهاوي بالعاصمة، بدعوة من المخرج عمر لعواصي.
ثم في عام 1942، انضم إلى فرقة “المسرح العربي” تحت إشراف عملاق المسرح الجزائري محي الدين بشطارزي، حيث قضى سبع سنوات كاملة.
هناك، لم يكن يتعلم التمثيل فقط… بل كان يتعلم كيف يكون المسرح سؤالًا اجتماعيًا، وكيف تتحول الخشبة إلى مساحة وعي.


بسبب مواقفه المعارضة للاستعمار الفرنسي، سُجن رويشد عامين في سركاجي.
وهنا، نفهم أن هذا الفنان لم يكن مجرد صانع ابتسامة… بل كان صاحب قضية.
لقد أثبت أن الكوميديا ليست هروبًا من الواقع، بل مواجهة ناعمة له، وأن الفن قد يكون شكلًا آخر من أشكال المقاومة.


بعد استقلال الجزائر، أصبح عضوًا في المسرح الوطني الجزائري، وقدم أعمالًا بارزة صنعت تاريخًا كاملاً، منها:
حسان طيرو
البوابون للمخرج مصطفى كاتب
الغولة مع عبد القادر علولة
كما اشتهر بأدوار أصبحت جزءًا من المخيال الشعبي:
حسن نية
حسن طيرو
حسن طاكسي
شخصيات بسيطة في مظهرها… لكنها عميقة في رمزيتها، لأنها تمثل المواطن الجزائري وهو يواجه الحياة بحيلته وضحكته.

نال رويشد الجائزة الأولى في مهرجان تونس سنة 1970، تأكيدًا على أن الفن الشعبي حين يكون صادقًا، يصبح أكبر من الحدود.

توفي رويشد يوم 28 جانفي 1999 بالأبيار في الجزائر العاصمة.

الفنان الذي يتحول إلى ذاكرة لا يموت.
والوجه الذي يشبه شعبه لا يغادره.
والضحكة التي خرجت من القلب… تبقى أطول من العمر.
رويشد لم يكن ممثلًا فقط…
كان ذاكرة وطن، ومسرحًا يمشي بين الناس، ودرسًا في أن الفن الصادق لا يحتاج إلى ضجيج كي يصبح خالدًا.