لماذا أكتب؟
بقلم أ.عبد العالي لعجايلية/

________________________________



أكتب لأن الصمت لم يعد فسحة للسكينة، بل صار سياجًا يضيق بي حتى يلامس الروح. لم يعد الصمت ملاذًا، بل قيدًا شفافًا يضغط الوعي من الداخل. الكلمات عندي ليست ترفًا لغويًا، بل هواءً أستله من رئة الوجود حين تشتد الخناقات، وحين تغدو الأيام سماءً ملبدة تخنق في جوفها نجمًا يحاول، عنادًا، أن يضيء.

أكتب لأن الحروف ليست حبرًا جافًا على ورق بارد، بل قناديل أشعلها في دهاليز العتمة التي فرضها الاعتياد، ورضعها الناس حتى ألفوا الظلام. كل سطر أخطه هو احتجاج في مهب النسيان، ونبض متمرّد يعلن أنني ما زلت حيًا في زمن صار يشيّع الأحياء إلى مقابر الغفلة دون جنائز، حيث يُدفن الإنسان وهو لا يزال يتنفس، فقط لأنه كفّ عن السؤال.

أكتب لأن الرؤية في زمني أصابها الرمد؛ رأيت اعوجاجًا طال عليه الأمد حتى حسبوه استقامة، وسمعت نحيب الحق يتردد في زوايا الصمت المطبق، ورأيت الجهل يتدلّى كجرس صدئ على أبواب العقول، لا ليوقظها، بل ليمنعها من الانفتاح على شمس الحقيقة. عند هذا الحد، لا تعود الكتابة هواية، بل واجبًا أخلاقيًا، محاولة لخلخلة ما تحجّر، وضربة على جدار غير مرئي صنعناه بأيدينا ثم نسيناه.

كلماتي ليست زخرفًا يُعلّق على جدران المجالس، ولا زينة لغوية تُرضي الذوق العابر. هي فأس تشق السجون اللامرئية، وأنفاق تُحفر في قلب الليل بحثًا عن فجر لا نراه بعد، لكنها نؤمن بإمكانه. هي طوفان يقتلع الأوهام من جذورها، وريح تهز عروش الجمود التي تراكمت فوق صدورنا حتى حسبنا ثقلها قدرًا لا فكاك منه.

أكتب لأن الكتابة برق يقدح في ليل العقل العابس، لا ليمنح الطمأنينة، بل ليوقظ القلق النبيل، ذاك الذي يذكّر الإنسان بإنسانيته. أكتب لأبحث عن ملامحي في مرايا مهشمة، ولأستنطق الأقدار في ألواحها الصامتة، علّي أجد بين ثنايا السطور تعريفًا مؤقتًا لوجود يتآكل بين التكرار والتكلّس.

الكتابة عندي يقظة في مدينة النيام، ونور يتسلل إلى مدائن العمى، وصرخة في صحراء الصمت. أرفض أن أكون وترًا ميتًا في عود العادة، يردد اللحن نفسه لأن الأسلاف عزفوه من قبل. أرفض أن أغفو على وسادة الوهم فيما الحقيقة تنزف على أعتاب التجاهل، بلا شهود ولا عزاء.

الكتابة بحر لا ساحل له، كلما ظننت أنك بلغت نهايته، اكتشفت اتساعًا آخر. وهي غابة لا حدود لأشجارها، ونسر يمنحني جناحًا لأحلق فوق القمم، حيث لا قيود تكبّل الفكر، ولا سلاسل تحد من الأفق.

وفي النهاية، لا أكتب لأنني أملك مفاتيح اليقين، ولا لأنني أحمل حقيقة مكتملة. أكتب لأن الشك رفيقي، ولأن السؤال هو سفينتي في لجج المعرفة. أكتب بحثًا عن شاطئ قد يكون سرابًا، وقد يكون الحقيقة ذاتها. لكنني مؤمن أن في الحرف حياة، وفي السطر خلودًا، وأن الفكرة الصادقة سهم، مهما طال ليل الزيف، لا بد أن يصيب.