الشعر من الوزن إلى الوعي

بقلم وسام طيارة /

__________________________________



دفاعٌ عن الشعر الحي، حين يتقدم الإحساس على القالب، ويغدو الشعر سؤالاً مفتوحاً لا قفصاً مغلقاً، ووقفةً ضد تعريفات الإغلاق التي تُميت اللغة.

أخطر ما يصيب الشعر أن نعتقد أننا وصلنا إلى تعريفه الأخير. فالشعر الذي يتوقف عن التحول والتطور، يبدأ في الشيخوخة.. لأنه ليس بشيء منزل.

سيدي الشاعر، الناقد.. حين نُقفل تعريف الشعر عند لحظةٍ بعيدة في الزمن، نكون قد حولناه من كائن حي إلى أثرٍ محفوظ خلف زجاج. التراث لا يعيش لأنه قديم بل لأنه كان في لحظته تمرداً ناجحاً. كل قصيدة عظيمة في الماضي لم تُكتب لتُشبه ما قبلها.. بل لتشق لنفسها ممراً جديداً في اللغة.

العرب الذين نعود إليهم اليوم لم يكونوا نسخة واحدة. كانوا اختلافاً يمشي على قدمين، وتجريباً داخل الإيقاع والصورة والرؤية. ولو أنهم اكتفوا بترديد ما استقر، لما صار ما استقر تراثاً أصلاً.

أما الوزن، فليس محكمة نهائية.. بل أداة من أدوات القبض على الارتعاش الداخلي للكلمة. الموسيقى لا تسكن البحر وحده؛ أحياناً تختبئ في المسافة بين الجمل، في انكسار السطر، في الصمت الذي يلي الصورة. الشعر يحدث عندما تتحول اللغة من وسيلة إلى كيان، من تقرير إلى كشف، من جملة صحيحة إلى ضرورة داخلية.

ولو فتشنا تاريخ القصيدة بصدق، لوجدنا أن كل انتقال كبير وُلد تحت تهمة الخروج. الموشح، ثم التفعيلة، ثم ما تلاهما، لم يدخلوا المشهد من باب الإجماع بل من باب الريبة. وبعد زمن.. صاروا جزءاً من السلالة نفسها التي يُستدعى اسمها اليوم لحراسة الحدود.

الشعر، في عمقه، ليس قالباً بل درجة احتراق. كل احتراق يبحث عن شكله الخاص. أحياناً يكون عموداً وأحياناً يكون كسراً واعياً، وأحياناً يكون نثراً مشبعاً بالإيقاع والرؤية والاختزال. الفارق الحقيقي ليس في القالب بل في الحياة التي تسري فيه: نص ميت على أصفى وزن يظل ميتاً، ونص حي بلا وزن خارجي يظل قادراً على إيقاظ قارئه.
وحراسة الماضي فضيلة حين تكون جسراً، لكنها تتحول إلى قيد حين تُعلن نفسها سقفاً نهائياً. أخطر ما يمكن أن يحدث للشعر أن يتوقف عن السؤال، وأن يظن أحدٌ أنه امتلك تعريفه الأخير. الشعر لا يُقاس بمدى شبهه بأسلافه، بل بقدرته على أن يضيف طبقة جديدة إلى وعينا بالعالم.

في النهاية.. ليس من حق أحد، مهما علا شأنه، ليس من حقه، تجميد تعريف الشعر على ما يحب ويرضى.. ويعلن هو ومن يؤيده، عزاء بشهادة وفاة كيدية، دون أن يشعر.