موت المثقف وأوهام النخبوية الكلاسيكية–
د. خليل بن عزة/
________________________________

لم يعد مفهوم النخبة كما كان يُتداول في المخيال الكلاسيكي؛ حيث كانت تُعرَّف باعتبارها حاملة للمعرفة والشرعية الرمزية (symbolic legitimacy) وصاحبة الرأسمال الثقافي (cultural capital) والقدرة على النّقد والتّفكيك. فكانت تُستهدف من طرف السٌلطة لأنها تفكك الخطاب وتُقلِق بعمقِ التّحليل وبطء المعنى. بل حدث لها اليوم انزياح بنيوي كبير، إذ لم تعد السلطة تُصغي لمن يفهمها، بل لمن يُربك تدفقها. ذلك أننا انتقلنا من نخبة المعرفة إلى نخبة المرئية (elite of visibility)، بمعنى آخر، صار حجم الإنتشار والتأثير هو الأهم لا بلاغة القلمِ وعمق الفكرة.
تأسيسًا على ذلك، لم يعد الخطر اليوم يُقاس بحدّة النّقد، بل بقدرة الخطاب على الانتشار داخل اقتصاد الإنتباه الخوارزمي (algorithmic attention economy). لذلك، يُلاحظ بجلاءٍ أن السّلطة تتحرك أمام أصوات بسيطة وأحيانًا ساذجة، إذا كانت محمولةً على شهرةٍ مكتسبة من الجماهير، بينما تتجاهل خطابًا نقديًا مركبًا لأنه بطيء التداول داخل الفضاء العمومي وإن كان لصاحبه شهادات عليا وبراءات اختراع وكتب ومؤلفات ومجلدات. فالمثقف والأكاديمي تراجعت قيمته في عصرنا لأنه لم يعد قابلًا للإستثمار الرمزي أو التّوظيف الاّتصالي (communicative instrumentalization) وهذا ما أخرجه من النّخبوية بمفهومها الجديد.
ختامًا، ينبغي -يا سادة- الإعتراف أن التمسك بسرديات قدرة المكانة العلمية على منح أصحابها النخبوية والتميز والاعتراف في زماننا.. صار وهمًا نبيلاً، فالنخبة الجديدة لا تُقاس بالمعرفة بل بالقدرة على التأثير السّريع (influence) وصناعة المعنى المختزل، وربما التّرفيه.. ولا زيادة.
