سيرة الغياب الأوّل–
بقلم أ. عبد العالي لعجايلية/
_____________________________

كنّا معًا دوماً، لا نفترق على الحقيقة، لأن ما اتّحد في الجوهر لا يعرف القطيعة. خضنا في الزمن كما يُخاض في محيطٍ بلا ضفاف، لكنني اليوم، حين أضع يدي على مقعدك الفارغ، أشعر ببرودة الخشب كأنّها طعنة في خاصرة اليقين. كنّا نجوب الكون بخفّة، نتحرّك بين اللحظات بلا خوف، ولم نكن نعلم أنّ المسافة بين فنجانين من القهوة قد تصبح أبعد من المجرّات التي عبرناها.
نفترق أحيانًا، لا لأننا نريد، بل لأن الرحلة كانت تقتضي ذلك. ركبنا الأمواج وصعدنا القمر، نضحك ونحن ندور حول الشمس، نلامس نارها دون أن نحترق. وحين باغتنا الفراق، اشتقنا وبكينا الغياب؛ بكينا لأن تفاصيلك الصغيرة—بُحّة صوتك عند الصباح، وتعثّرك العفوي في الكلام—صارت بعيدة المنال، كأنّها نيزك هوى في سحيق الصمت.
سرنا وطرنا، امتطينا الشُّهب والمذنّبات، وأدركنا أنّ الكون يتكلّم بلغةٍ لا يسمعها إلا من عاش وحيدًا. غير أنّني، في زحام الشوارع، أبحث عن وجهك بين الوجوه العابرة، فيسخر مني المنطق: كيف لروحٍ سكنت النجوم أن تضيع في زقاقٍ ضيّق؟ إنّ الفراق الكبير أساء إلينا، لا لأنّه فرّقنا، بل لأنّه أربك ذاكرتنا فنسينا ما كنّا عليه. صرنا نمرّ ببعضنا، نلامس ظلًّا مألوفًا ثم نمضي؛ وأوجعني أنّنا أصبحنا غرباء بذاكرة مشتركة.
كنتُ أتمنّى أن تكون رحلتي الأخيرة معك على هذا الكويكب الصغير، أن نراقب الغروب من شرفةٍ بسيطة، لا من وراء سُدُم السحاب. كنتُ أتمنّى أن أستقرّ إلى جوارك، لأنّ الاتّساع بلا مشاركة فراغ، ولأنّ فوضى غرفتك أحبّ إلى قلبي من نظام الأكوان. سأنتظرك، كما ينتظر الجوهر اكتماله، وكما ينتظر الغريب وقعَ خُطى يعرفها على عتبة الدار.
لن أخاف؛ فالخوف لا يقيم حيث يقيم اليقين. سأتذكّرك دوماً، لا كذكرى، بل كحضورٍ صامت. وسنلهو من جديد، نرمي خلفنا ثِقل الأسماء والمسافات، ونتّحد في بيتٍ واحد؛ بيتٍ يفوح برائحة اللقاء الأوّل، حيث يدرك الكون، بعد طول عناء، أنّ كلّ تلك السنوات من الغياب لم تكن سوى رمشة عين في جفن الخلود.
