الفلسفة النقدية لماذا لم تعد الاسئلة بريئة؟–

بقلم زكريا نمر/

____________________________________



لم تكن الفلسفة النقدية في يوم من الايام ترفا ذهنيا ولا استعراضا لغويا، بل ولدت من حاجة انسانية عميقة للشك في ما يبدو بديهيا. هي ليست فلسفة الرفض من اجل الرفض، بل محاولة دائمة لفهم ما الذي يجعل الافكار تكتسب سلطتها، ولماذا نقبلها دون مساءلة. في اصلها، كانت الفلسفة النقدية وقفة شجاعة امام العقل نفسه. مع كانط، لم يكن السؤال كيف نفكر فقط، بل الى اي حد يمكن للعقل ان يدعي امتلاك الحقيقة. النقد هنا لم يكن هجوما على المعرفة، بل محاولة لحمايتها من الوهم. غير ان هذا المعنى العميق تآكل مع الزمن، وتحول النقد في كثير من السياقات الى قناع جديد للسلطة.

اليوم، كثيرا ما تمارس الفلسفة النقدية بلغة معقدة، منفصلة عن الواقع، وكأنها تخاطب نفسها. اصبحت حبيسة الجامعات والندوات، بعيدة عن الشارع، عن الخوف اليومي، عن الاسئلة البسيطة التي تؤرق الناس. وهنا تفقد الفلسفة النقدية جوهرها، لانها حين تنفصل عن الالم، تتحول الى تمرين ذهني بلا اثر.الأسوء من ذلك ان النقد نفسه قد يصبح ايديولوجيا. حين يتحول الشك الى موقف دائم، وحين يصبح التفكيك غاية لا وسيلة، نفقد القدرة على التمييز بين ما يستحق الهدم وما يحتاج الى اصلاح. هذا النوع من النقد لا يحرر، بل يصنع مثقفا باردا، يراقب الخراب بذكاء، دون ان يشعر بمسؤوليته تجاهه.

الفلسفة النقدية الصادقة لا تكتفي بطرح الاسئلة، بل تتحمل تبعاتها. تسأل من يملك السلطة، ومن يدفع ثمنها. تسأل عن العدالة، لا بصفتها مفهوما مجردا، بل كواقع معاش. وهي في هذا المعنى ليست محايدة، لان الحياد في عالم غير عادل ليس فضيلة، بل تواطؤ صامت. في مجتمعات تعيش تحت ثقل الحروب والانقسامات والخطابات المغلقة، تصبح الفلسفة النقدية ضرورة اخلاقية. لكنها لا تنجح ان بقيت لغة نخبوية او اداة لتصفية الحسابات الفكرية. عليها ان تبدأ من مراجعة الذات، من نقد المثقف لدوره، من مساءلته لعلاقته بالسلطة وبالقبيلة وبالامتيازات غير المعلنة.

الفلسفة النقدية ليست عداء للتراث ولا انكارا للهوية ولا نفيا للايمان. هي رفض لتحويل اي فكرة الى حقيقة مطلقة، واي نص الى سجن للعقل. هي تذكير دائم بان اخطر اشكال العبودية هي تلك التي تتخفى في ثوب اليقين.الفلسفة النقدية ليست ان تكون ضد كل شيء، بل ان تكون صادقا مع نفسك اولا. ان تملك شجاعة السؤال، حتى حين يكون الجواب مؤلما. وكل فلسفة لا تقود الى هذا القلق الخلاق، تبقى مجرد خطاب انيق، بلا روح، وبلا اثر.