عزالدين مجوبي… حين كان المسرح أكبر من الرصاص-
ذكرى اغتيال فنان لم يغادر الخشبة –
بقلم بوبكر بلعيد/
_____________________________________
في زمنٍ كانت فيه الجزائر تمشي على حافة النار، كان هناك من يصرّ على أن تبقى الخشبة مضاءة، عزالدين مجوبي لم يكن مجرد ممثل يعتلي الركح، بل كان مشروع موقف، وصوتًا مسرحيًا يعرف أن الفن ليس زينة الحياة، بل أحد شروطها الأخلاقية.
في 13فيفري 1995، حين كانت البلاد تنزف في صمتٍ ثقيل، اغتيل مجوبي. لم يُغتل جسد فنان فحسب، بل استُهدف رمزٌ من رموز المسرح الجزائري، ورجلٌ آمن بأن الكلمة أقوى من الخوف، وأن الضوء مهما حاصرته العتمة يجد دائمًا ثغرة ليعود.
كان مجوبي ابن المسرح الوطني الجزائري، واحدًا من أولئك الذين فهموا الخشبة باعتبارها فضاءً للتنوير، لا للفرجة العابرة. أدرك أن المسرح ليس مجرد عرض، بل سؤال. ليس مجرد تصفيق، بل وعي. لذلك ظلّ وفيًا لفكرة الفن الملتزم، الفن الذي يلامس المجتمع، ويقلق سكونه، ويقترح أفقًا آخر للإنسان.
لم يكن حضوره عادياً، بل كان يحمل في صوته حرارة التجربة، وفي أدائه عمق الرؤية، وفي إدارته حسّ المسؤولية. عرفه الجمهور ممثلاً مقتدرًا، وعرفته الساحة الثقافية مديرًا حريصًا على أن يبقى المسرح مؤسسة تفكير لا مجرد بناية إسمنتية. كان يؤمن أن الثقافة مقاومة ناعمة، وأن المسرحي الحقيقي لا يساوم على رسالته.
اليوم، ونحن نستحضر ذكرى اغتياله، لا نمارس طقس الحنين فقط، بل نعيد طرح السؤال: ماذا بقي من مشروعه؟ هل ما يزال المسرح الجزائري يحمل تلك الجرأة؟ هل ما زالت الخشبة فضاءً للأسئلة الكبرى، أم تحوّلت إلى موسم عابر؟
إن استحضار اسم عزالدين مجوبي ليس بكاءً على الماضي، بل دعوة لمراجعة الحاضر. فالفن الذي يُستهدف لأنه مؤثر، هو فنٌّ حي. والمسرح الذي يُخاف منه، هو مسرحٌ قادر على التغيير. لذلك لم يكن اغتياله حدثًا عابرًا في سجل العنف، بل علامة مؤلمة على حجم الرهان الذي تمثله الثقافة في معركة الوعي.
مجوبي لم يغادرنا تمامًا. هو حاضر في ذاكرة المسرحيين، في كل عرضٍ يحاول أن يكون صادقًا، في كل ممثلٍ يصعد الركح وهو يعرف أن الفن مسؤولية. حاضرٌ في فكرة أن المسرح ليس ترفًا، بل ضرورة وطنية.


