تأملات في أوجاع الوجود –
بقلم أ. عبد العالي لعجايلية/

_______________________


كأنّ الروح كانت صرخةً حبيسةً في صدر الكون، تمزّقها براثن الوحدة وتلملمها يد القدر الباردة. في زوايا الظلام العميق، حيث لا صوت سوى صمت يصرخ، تتهاوى الأرواح واحدة تلو الأخرى، كأوراق ذابلة نسيتها أشجارها، تتمايل بين الماضي والحاضر، بين الفقد والحنين، بين الحياة والعدم.

هناك، في رحم الألم، تتوالد الحكايات المأساوية، حكايات تسير مع الريح ولا تجد من يصغي. كل حكاية هي صرخة داخلية، وكل صرخة تتنفس في الكون، فتترك أثرًا خفيًا على النجوم، على البحر، على الريح نفسها، كأن الكون كله يتنهد مع الإنسان.

الليل، ذاك الحارس الأسود، يلف العالم بخيوط من الظلام، يخنق الأصوات، ويجعل الصرخة الداخلية تتردد كصدى بين الجدران المجهولة. كل فكرة مؤلمة، كل ذكرى عابرة، تتجمع في القلب كأحجار ثقيلة لا تُرفع. وفي هذا الظلام، تشتعل أحيانًا شمعة الأمل، لكنها سرعان ما تخبو بمجرد لمسة الريح، تاركة الروح أمام صراعها الأبدي بين التوهج والانطفاء.

الطفل الذي يتلوّى جوعًا يرفع عينيه إلى سماءٍ خالية من الرحمة، كأنها وعد مفقود. الأم التي تصارع الموت في عيون أبنائها تحمل قلبًا يصرخ صمتًا، يتسلل عبر كل نبضة لتسأل: “هل من خلاص؟ هل من فرج؟” أما العاشق، فيخفي جرحه خلف ابتسامة باهتة، بينما البحر يحمل موجاته في صمت أعمق من أي عويل. كل مشهد يحمل صدى الفقد، وكل لحظة ألم تترك أثرًا لا يُمحى، كأن الزمن نفسه يتوقف ليتفرج على هذه المعاناة.

الإنسان، ذاك الكائن الذي يرزح تحت ثقل الوجود، يطرح الأسئلة التي لا تجد إجابة: “لماذا خُلِقنا إذا كان المصير عذابًا؟ أين النور وسط هذا الليل السرمدي؟” هذه الأسئلة ليست كلمات، بل ضربات على أبواب الوعي، تفتش عن معنى، فتربك الروح وتتركها تتوه في صحراء الزمن.

ومع مرور الأيام، تبدأ الروح في إدراك لغة الألم. الألم لا يقتل، بل يعلم. كل سقوط، كل فقد، كل جرح، هو فرصة لإعادة بناء الذات، للتقاطع مع نور داخلي خفي ينتظر أن يُكتشف. الإنسان، رغم كل أوجاعه، يبقى رمزًا للنهوض، والانكسار ليس حكمًا أبديًا طالما الحياة تمنحنا فرصًا جديدة، مهما كانت قاسية.

الكون كله يبدو مرآة لما نحمله في داخلنا: البحر المظلم يعكس خوفنا، النجوم البعيدة تحاكي أحلامنا، الطيور المهاجرة تهمس بالأمل، الصمت الكوني يوازي صمت القلب. كل سقوط، كل موجة غضب، كل ظلمة، هي انعكاس لرحلتنا الداخلية، وللكيفية التي نصنع بها معنى الحياة.

الليل يتحرك كما لو كان حياً، ينساب بين الأشجار والجبال، يغلف المدن والقرى بصمت ثقيل، ليترك أثره في كل قلب. الريح تعصف بين القلوب، تحمل معها ذكريات لا تموت، وأصواتًا لم تُسمع بعد. النجوم تلمع في السماء، لكنها ليست بعيدة عنا، بل تتردد فينا كنبض داخلي، تعكس الأمل فينا، كلما أدركنا الظلام حولنا.

الطيور تهاجر عبر الليل، تحمل معها أصوات الحرية، وتعلّمنا أن التحرر لا يتحقق إلا بالصبر والمثابرة. البحر، بموجاته المتلاطمة، يعكس صلابة الروح أمام العواصف الداخلية. كل حجر تصطدم به الموجة، هو تذكير بأن الألم جزء من دورة الحياة، وأن كل سقوط يخلق مساحة للنهوض.

ومع كل لحظة، يدرك الإنسان أن الزمن ليس خصمًا، بل معلم. الفقد يصبح درسًا، الألم يصبح مرشدًا، الصمت يصبح لغة. كل شيء حولنا يشارك في رحلة الإنسان الداخلية، ويتفاعل مع نبض قلبه، مع رغبته في البقاء، مع بحثه عن ذاته الحقيقية.

وفي لحظة التلاقي مع الذات، يشعر الإنسان بالتحرر: تحرير من القيود، من الخوف، من اليأس. الرحلة لم تعد مجرد عبور عبر الظلام، بل اكتشاف مستمر للنور الكامن فينا. كل ضياع، كل ألم، كل سقوط، هو خطوة نحو الذات الحقيقية، نحو الفهم العميق للوجود، نحو الانتصار الداخلي، حتى لو بدا العالم حوله محطمًا.

وفي نهاية كل سقوط، يبقى النور مختبئًا فينا، ينتظر أن نكتشفه بين شظايا الألم. وإن كان الكون يُذبح بأيدينا دون أن نشعر، فلتكن أيدينا، نحن البشر، مرهونة بالمحبة والتسامح، لا مطارق تجلد الإنسان. الإنسان، رغم كل ما يحيط به، يبقى الحارس الوحيد للنور الذي بداخله، ومفتاح البقاء، ومرآة الأمل في زمن كثرت فيه الظلال.

الوجود، في جوهره، رحلة من العدم إلى الذات، من الظلام إلى النور الداخلي، من الصمت إلى الوعي، ومن الضياع إلى اكتشاف معنى الحياة. كل خطوة تحمل درسًا، كل تجربة تترك أثرًا، وكل ألم يفتح بابًا للنور، الذي لا يُكتشف إلا لأولئك الذين يملكون الجرأة للنظر في أعماقهم، ومواجهة أنفسهم، واستيعاب فلسفة الألم كمعلم صامت.

وهكذا تصبح الحياة ليست مجرد عيش، بل اكتشاف متواصل، رحلة من الصمت إلى الصراخ، من اليأس إلى الرجاء، من الفقد إلى الاكتشاف، رحلة لا تنتهي، لأنها مرآة الروح نفسها، والنور الداخلي الخالد الذي لا يغيب، مهما اشتد الظلام.