من السّلع والأسواق إلى العقول وهندسة الرّغبات! –

بقلم د- إبراهيم الخليل بن عزة/

__________________


يبدو أنّ الرّأسمالية المعاصرة انتقلت من مرحلة غزو الأسواق إلى مرحلةٍ أخطر، أقول ذلك وأنا أفكر في مظاهر غزو العقول اليوم؛ فلم يعد رأس المال يكتفي بتدوير السّلع، بل يطوّع الوعي ذاتـه عبر ما يُمكن وصفه بـ “اقتصاد الإنتباه” (Attention Economy)، أي اختزال التّجربة الإنسانية في البيانات، واختطاف التّجارب الموجودة واللحظات الذّهنية وتحويلها إلى موارد قابلةٍ للإستثمار. نعم يا سادة، إنها سلطة ناعمة لكنها بالغة القدرةِ على تشكيلِ الخيالِ قبل السّلوك!

خُذ أيضًا أنّـه وفي ظل تصاعد رأسمالية المراقبة (Surveillance Capitalism)، أصبحت الخوارزميات فاعلًا ثقافيًا جديدًا لا يكتفي بالتّنبؤ بما نرغب فيه، بل بصناعتِه مُسبقًا. وهكذا، يتحوّل الإنسان إلى مستهلِك مُبرمج تُصاغ رغباته وفق هندسةٍ صامتةٍ تتحرك خلف الشّاشات الكبيرة والصّغيرة. أما الهيمنة الثّقافية فتمارِس نفوذَها عبر ما يمكن تسميته بـ “استعمار الوعي” (Colonization of Consciousness)، إذ تتكفّل النيوميديا بفرض نماذج جاهزة للذّات، والحق، والذّوق، والجمال، والمعرفة، والنّجاح.. وحتى الوجود يا رجل! أي نعم، هكذا يسير عالمنا المعاصر وفق منطق عنيفٍ على ما فيه من نُعومـةٍ، فيطحن الإختلاف باسم التّقدّم، ويحوّل الإنسان إلى رقمٍ، إلى كمّ مهملٍ، أو لنَقُـل إلى مجرّد “هوية استهلاكية” (Consumer Identity) عابرة، معلَّقة بين الخيالِ المُعلّب والواقـع المُفرغ من المعنى؛ فصار الخطـر الحقيقي هو أن يعتاد النّاس على محبّـةِ القمـعِ الذّي يُمارَس عليهم، ذلك أن أذكى طريقة لجعل النّاس خاضعين ومطيعين، هي أن تحدّ بصرامةٍ من نطاقِ الآراء المقبولةِ، مع السّماح بنقاشٍ صاخبٍ داخل ذلك النّطاق ذاتـه.